اختيارُ الزوج أوِ الزوجة مُقدَّر من الله تعالى

السؤال: هَلِ اختيارُ الزوج أوِ الزوجة مُقدَّر من الله تعالى أم إنَّه منِ اخْتِيارِ الشَّخص؟
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإنَّ الله قدَّر مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بِخمسين ألفَ سنة؛ كما رواه مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم.

وفي سنن أبي داود والترمذيِّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال: "إنَّ أوَّل ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، قال: وما أكتُبُ يا رب؟ قال: اكْتُبْ مقاديرَ كُلِّ شيءٍ حتَّى تقومَ السَّاعة". وفي الصحيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: "إنَّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمِّه أربعين يومًا نُطفة، ثُمَّ يكون علقةً مثلَ ذلك، ثُمَّ يكونُ مضغة مثلَ ذلك، ثم يُرْسَلُ إليه الملكُ فينفخ فيه الروح، ويُؤْمَرُ بأربعِ كلِمات، بِكَتْبِ رِزْقِه وأَجَلِه وعَمَلِه وشقيٌّ أَوْ سعيد" .. الحديث.

وقد سُئِلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القَدَرِ فردَّ ذلك؛ كما ثبت في الصحيحَيْنِ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد عُلِمَ مقعده من الجنَّة ومقعده من النار، قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العَمَلَ ونتَّكِلُ على الكِتاب؟ فقال: لا، اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِقَ له".

قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى": "بَيَّنَ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ السَّعيدَ قد يُيَسَّر للعمل الذي يَسوقه الله تعالى به إلى السعادة، وكذلك الشقيُّ، وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتَهيئة أسبابه، وهذا هو تفسير خَلْقِ أفعالِ العباد، فَنَفْسُ خلْقِ ذلك العمَلِ هُو السَّبَبُ المُفْضِي إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعَلَهُ بِلا عمل بل هو فاعله فإنه ينشئُ لِلجنَّة خَلْقًا لما يبقى فيها من الفضل".

فكلُّ ما يعمَلُه الإنسان لا يَخرج شيْءٌ منه عَنْ قَدَرِ الله تعالى، ولا رَيْبَ أنَّ الزَّواج من جُملة الأمور التي قدَّرها الله سبحانه وتعالى على خلقه قبل أن يَخلُقَهم، فلا يُمكن أن يتزوَّج الإنسان إلا بِمَنْ قدَّر الله له ذلك، ولا يُمكِنُ أن يستمرَّ زواجُهما إذا كان اللَّه قدَّر فِراقَهُما.

لكن هذا لا يَعني أن نترك الأسبابَ الَّتي قدَّرها اللَّهُ لِتحْصِيل الزَّوجة الصَّالحة أوِ الزَّوج الصَّالح، بل لنا أن نبذُلَ كُلَّ سببٍ مُباح نَراه يُحَقِّقُ لنا ذلك، وهذا أيضًا من قدر الله، وفي نِهاية الأمر لن يكونَ إلا ما قدَّره الله.

قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة النبوية": "وما سبق من علمِه وحُكمه فهو حق، وقد علم وحكم بأنَّ الشيءَ الفلاني يحدثه هو سبحانَه بالسَّبَبِ الفُلانيّ، فَمَنْ نَظَرَ إلى عِلْمِه وحُكمه فلْيَشْهد الحدوث بِما أحدثه، وإذا نظر إلى الحدوث بلا سبب منه لم يكنْ شُهُودُه مُطابقًا لِعِلْمِه وحُكمه.

فمَنْ شَهِد أنَّ الله تعالى خلَقَ الولد لا من أبويْنِ لسبق علمِه وحُكمه فهذا شهودُه عمًى، بل يشهد أنَّ الله تبارك وتعالى سبق علمُه وحكمُه بأن يَخلُق الولدَ من الأبوين، والأبوان سبب في وجوده فكيف يجوز أن يُقال إنَّه سبق علمه وحكمه بِحدوثه بِلا سبب، وإذا كان علمه وحكمه قد أثبت السبب فكيف أشهد الأمور بِخلاف ما هي عليه في علْمِه وحكمه، والعلل التي تنفى نوعانِ، أحدُهُما: أن تعتَمِدَ على الأسباب وتتوكَّل عليْها؛ وهذا شرك محرَّم، والثَّاني: أن تترك ما أمرت به من الأسباب، وهذا أيضًا مُحرَّم، بل عليك أن تعبده بفعلِ ما أمَرَكَ به من الأسباب، وعليْكَ أن تتوكَّل عليه في أن يُعِينَك على ما أمَرَكَ به، وأن يفْعَلَ هو ما لا تقدِرُ أنتَ عليْهِ بدون سبب منك، فليست العلة إلا ترك ما أمَرَكَ به الرب أمْرَ إيجابٍ أوِ استحْباب، ومَنْ فعل ما أُمِرَ به كما أُمِرَ به فليس عنده علة، ولكن قد يجهل حقيقة ما أمر به كما أمر به فيكون منه علة".

ومِمَّا سبق يتبيَّنُ أنَّ كونَ فلانةَ زوجةَ فلانٍ من الأمور التي قدَّرها اللَّه تعالَى قبل الخلق، وهو سُبحانَه يُيَسِّرُ لَهم ذلك ويُلهِمُهم إيَّاه مع تَهيِئَةِ أسبابه. ولمزيد فائدة راجع فتوى: "شبهات"،، والله أعلم.