ما ورد في سحر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

السؤال: سائل يسأل عما ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وعن قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وما ورد في ذلك؟
الإجابة: أما ما ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين، فقال السيوطي في كتابه (لباب النقول في أسباب النزول) الذي يقول في خطبته: لخصتُه من جوامع الحديث، والأصول، وحررته من تفاسير أهل النقول: أخرج البيهقي في (دلائل النبوة) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.

لأصله شاهد في (الصحيح) (1) دون نزول السورتين، وله شاهد بنزولها.

وأخرج أبو نعيم في (الدلائل) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال: صنعت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه لُمَّ به، فأتاه جبريل بالمعوذتين، فعوذوه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحا.

وأما قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرها المفسرون والمحدثون وأهل التاريخ والسير، قال ابن القيم رحمه الله في كتاب (تفسير المعوذتين): ثبت في (الصحيح) عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم طُبَّ أي: سُحِرَ، حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: "أَشَعَرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتكم فيه"، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، أي: مسحور، قال: من طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فبماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طَلْعِ َذَكَر قال: فأين هو؟ قال: في ذروان بئر في بني زريق"، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم رجع إلى عائشة، فقال: "والله، لكأنَّ ماءها نُقَاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين"، قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلاَّ أخرجتَه، قال: "أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا"، فأمر بها فدفنت.

وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب. وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام بن عروة بن الزبير، وكان غايةُ مَنْ أَحْسَنَ القولَ فيه: أن قال: غَلِطَ، واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُسحر؛ فإنه يكون تصديقا لقول الكفار: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا}، قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يُسحروا؛ فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين.

وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فما للمتكلمين وما لهذا الشأن وقد اتفق أصحاب (الصحيحين) على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة.

والقصة مشهورة عن أهل التفسير، والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من المتكلمين.

قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لذلك عُقَدًا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وَجَدَ لذلك خفةً، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نَشِط من عِقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط.

وقال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذ مُشَاطَةَ رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود؛ فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد ابن الأعصم -رجل من اليهود- فنزلت هاتان السورتان فيه.

قال البغوي: وقيل: كانت مغروزة بالإبر، فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عِقال، قال: وروي أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام، فنزلت المعوذتان (2).

قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه، ولا نَقْصَ في ذلك ولا عيب بوجه ما؛ فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه وجُحش شقه، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كرامته. وأشد الناس بلاء الأنبياء؛ فقد ابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس، فليس ببدع أن يُبتلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السَّلا وهو ساجد، وغير ذلك، فلا نقص عليهم، ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله.

قالوا: وقد ثبت في (الصحيح) عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد، أشتكيت؟" فقال: "نعم"، فقال: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك"، فعوذه جبريل -لمَّا اشتكى- من شر كل نفس وعين حاسد، فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره. انتهى.

وقال الحافظ في (الفتح): وقد بين الواقدي السَّنَةَ التي وقع فيها السحر كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم، مرسل. قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم -وكان حليفا في بني زريق وكان ساحرا- فقالوا: أنت أسحرنا -أي: أعلمنا بالسحر- وقد سحرنا محمدًا؛ فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه. فجعلوا له ثلاثة دنانير (3).أ.هـ.

وفي الخطيب قال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه، وأعطاها لليهود؛ فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم -رجل من اليهود-.أ.هـ.

وفي (المواهب) أيضا عن (فتح الباري): وكان في جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلوا في تلك الصورة إبرا مغروزة فيها إحدى عشرة ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد ألما في بدنه، ثم يجد بعدها راحة (4).أ.هـ. قال: وكانت مدة سحره صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاما. قال الحافظ ابن حجر: وهو المعتمد (5).أ.هـ.

قال الراغب: تأثير السحر في النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من حيث إنه نبي، وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان أو بشر، كما كان يأكل، ويتغوط، ويغضب، ويشتهي، ويمرض، فتأثيره فيه من حيث هو بشر، لا من حيث هو نبي. وإنما يكون ذلك قادحا في النبوة لو وُجد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة، كما أن جرحه وكسر ثَنِيَّتِه يوم أحد لم يقدح فيما ضَمِنَ الله له من عصمته في قوله: {وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (6)، وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذُكر من كمال الإسلام في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (7).

قال القاضي: ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور؛ لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر.أ.هـ. كرخي.

وفي (المواهب) ما نصه: قال المازري: أنكر بعض المبتدعة حديث السحر، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة -أي: شرفها ورفعتها- ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا -أي: سحر الأنبياء- يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل يكلمه -وليس هو ثَمَّ-، وأنه يوحي إليه بشيء.

قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.

وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبْعَث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين (8).أ.هـ.

وقال غيره: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء -ولم يكن فعله- أنه يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى لهذا الملحد حجة.

وفي (شرح مسلم): وقد ظهر ما هو أجلى وأبعد عن مطاعن الملحدة من نفس الحديث، ففي بعض طرقه: «سحره يهودي حتى كاد ينكر بصره»، وفي بعضها: «حبس عن عائشة سنة»، وعند البيهقي: «والطعام والشراب»، فدلت هذه الطرق على أن السحر إنما تسلط على ظاهر جسده، لا على عقله (9). انتهى.

___________________________________________

1 - البخاري (5763) (5765) (5766)، ومسلم (2189) بدون ذكر نزول المعوذتين.
2 - (تفسير البغوي): (4/ 547).
3 - (طبقات ابن سعد): (2/ 197)، و(فتح الباري): (10/ 226).
4 - (الفتح) (10/ 230).
5 - (الفتح) (10/ 226).
6 - سورة المائدة: الآية (67).
7 - سورة المائدة: الآية (3).
8 - راجع (المعلم بفوائد مسلم): (3/ 159).
9 - ذكر الإمام النووى في (المنهاج) بعضًا منه عن القاضي عياض: (14/ 175).