حد الاختلاط وحكمه

السؤال: هل جلوس الرجل مع النساء الأجنبيات في بيتٍ واحد يعد من المخالطة والاختلاط المذموم؟ وهل يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: باعدوا بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء»؟
الإجابة: إن ذلك إذا كان من تردد الرجال على النساء ودخولهم عليهن لقصد الريبة فهو حرام، وصاحبه مسخوط الشهادة في المسلمين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياكم والدخول على النساء"، قالوا: والْحَمُ يا رسول الله؟ قال: "الحمو الموت"، والحمو هو قريب الزوج، والمقصود بالتعبير عنه بالموت أنه أشد خطراً وضرراً من غيره، لأن المرأة لا تتحفظ منه عادة فهو من أهل البيت، فلذلك يدخل في كثير من الأحيان دون استئذان.

ومن المؤسف أن مجتمعنا هذا قد فُقدت فيه سنة الاستئذان من زمن بعيد، فكثير من الناس يدخلون على الإنسان وهو في غرفة نومه في انشغالاته الخاصة وأموره فجأة لا يشعر إلا وقد دخل عليه رجل أجنبي!! وكثيراً ما يكون ذلك بحضرة النساء ومن غير استعداد منهن، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا وحذر منه، وأمر بالاستئذان في كتابه فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ}، فنهى الله سبحانه وتعالى عن الاقتحام دون استئذان واستئناس، والاستئذان يحصل بأن يقول الإنسان: أأدخل، فيستأذن في الدخول، أو أن يطرق الباب ثلاثاً، فإن أجيب وإلا رجع فهو أزكى له.

وقد كان عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استئذنوا فلم يؤذن لهم رجعوا وحمدوا الله تعالى لأن ذلك أزكى لهم أي أنفع لهم في الآخرة، فالاستئذان إنما هو ثلاث، ويقاس على هذا أيضاً الاتصال الهاتفي، فينبغي أن يكون ثلاثاً، فإذا لم يجب الإنسان ينبغي أن يقطع لأنه يعلم حينئذ أن صاحب الهاتف غير مستعدٍ للرد عليه فهو مشغول بشؤونه، وكثير من الناس يلح إلحاحاً عجيباً في الاتصال الهاتفي ومثله في طرق الأبواب طرقاً مزعجاً فيدوم على ذلك فترة من الزمن من غير مبرر!! وليس هذا بالأدب الشرعي، فلذلك ينبغي أن يقتصر الإنسان على الثلاث، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوماً فسلم عليهم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم بالكلمة تكلم بها ثلاثاً لتُفهم، كما في حديث أنس في صحيح البخاري وغيره.

فلذلك ينبغي أن لا يقتحم الرجال على النساء وأن لا يدخلوا إلا من ضرورة، وهذه الضرورة إنما تتحقق إذا كان صاحب البيت حاضراً فأذن له بالدخول ولم يكن له مكان آخر يضيفه فيه أو يجلسه فيه إلا المكان الذي فيه النساء، ولذلك فإن ترك الناس للاستئذان واقتحامهم على النساء في هذه البلاد إنما كان ناشئاً عن حياة الخيام، فالخيمة في الغالب هي بيت واحد فلم يكن لأهلها بيت آخر للضيافة، في أغلب الأحيان، فلهذا تعودوا على الاختلاط في هذه الخيمة، وينبغي أن يترك ذلك اليوم فقد أنعم الله علينا بالتقري والانتقال من حياة البداوة.

ولذلك فكثير من الأخلاقيات المرتبطة بأمور البداوة لابد من القضاء عليها، فمنها مثلاً تعود الإنسان على أن يلبس بعض اللباس المتنجس أو المشكوك فيه، فإذا جاء إلى الصلاة خلعه في المسجد، فهذا النوع هو من أخلاق البادية التي لا خير فيها ولا ينبغي للإنسان أن يتعود عليها أبداً، ومثل ذلك من أخلاق البادية البول في الطرق فإنه من الأمور التي تؤدي إلى تنجس فرش المساجد لما ينتقل في النعال من التراب المتنجس، وأيضاً فيها تعريض الإنسان لكثير من الأمراض، وفيها أيضاً إساءة الأدب إلى أهل الطريق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والجلوس في الطرقات"، قالوا: ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها فقال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فلا بد أن يؤدي الإنسان حق الطريق أو أن يتركها، فلذلك ليس من حقها أن يستعملها الإنسان فيما لا ينفع، وبالأخص إذا كان ذلك من الملاعن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الملاعن وهي الطريق والظل والمشرب، فهذه أمور إذا بال فيها الإنسان أو تخلى فيها فإن الناس سيلعنونه.

والمقصود هنا باللعن الدعاء عليه مطلقاً لا خصوص لفظ اللعن، فهو ممنوع لا يجوز للإنسان أن يلعن ذا حياة ولو كان بعيراً أو حماراً أو غير ذلك إلا إذا كان إنساناً مات على الكفر أو كان إبليس عليه لعنة الله أو اليهود والنصارى بالجمع أو نحو ذلك من الجموع، أما الأفراد فلا يجوز لعنهم، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من اللعن للمخصوص فهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم فوضعت يتيمتها أي اليتيمة التي كانت تربيها وكانت كل امرأة من الأنصار تربي يتيمة، وكل رجل منهم يربي يتيماً ابتغاء مرضاة الله تعالى، فجاءت يتيمتها أي يتيمة أم حرام فوضعت يدها على كتف النبي صلى الله عليه وسلم أو عاتقه، فقال: "لعنك الله" فبكت أم حرام فقالت: يا رسول الله أتلعن يتيمتي؟ فضحك فقال: "أما علمت العهد الذي بيني وبين ربي أن من لعنته ممن لا يستحق اللعن أن يجعل ذلك له رحمة؟" فهذا إذن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحل للآخرين.

فلذلك لا بد من اجتناب هذه الأخلاقيات البدوية، وأن يعلم الإنسان أن للحضارة ذوقاً وأخلاقاً تختلف عن أحوال أهل البادية، ومنها مثلا الرضا باتساخ الملابس، والاستمرار على لبسها فترة طويلة من الزمن، فهذا ليس من حقها ولها حقوق، وستخاصم الإنسان عنها يوم القيامة، فهذا من سوء التملك، ومثل ذلك الرضا بالاتساخ في الفرش والمباني وبناء العناكب فيها، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يضرب على ذلك فقد دخل بيت أبي سفيان بن حرب فرأى فيه بناء العنكبوت فرفع عليه الدرة وزجره عن ذلك، والملابس اتساخها مناف لحسن التملك الذي هو مأمور به، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى مليكة وهي أم آل ملحان، فرأى حصيراً مسوداً فأخذه ونضحه بالماء وقال: "قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس"، أي من طول ما جلس عليه، فلذلك لا بد أن يحسن الإنسان التملك لأي شيء ملكه الله إياه وأن يؤدي حقه، والله تعالى كتب الإحسان على كل شيء كما في حديث شداد بن أوس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" فالإحسان كتبه الله على كل شيء، أي ينبغي للإنسان أن يحسن إلى كل شيء من الخلائق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.