تكملة حجة النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته بعرفة إلى انصرافه من مزدلفة

سماحة الشيخ أرجو أن تتفضلوا بتكملة الحديث عن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لما في هذا الموضوع من فائدة عظيمة، ولعل الكثير يتأسون بفعله عليه أفضل الصلاة والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فقد سبق في حلقة مضت أن ذكرنا صفة حجه عليه الصلاة والسلام، من حين أحرم من ذي الحليفة إلى أن خرج من منى، إلى عرفات، صباح اليوم التاسع، ذكرنا أنه توجه من منى إلى عرفات، بعد طلوع الشمس في اليوم التاسع، ملبياً، والصحابة منهم من يلبي ومن من يهل، فلا ينكر على واحد منهم، فدل ذلك على أن الحجاج إذا توجهوا من منى إلى عرفات يشرع لهم التلبية والتهليل والتكبير، والتلبية أفضل، لأنه عمله عليه الصلاة والسلام، وسبق أنه - صلى الله عليه وسلم- نزل بنمرة وجد فيها قبة من شعر فضربت له فنـزل بها حتى زالت الشمس فلما زالت الشمس أمر بناقته فرحلت له ثم ركب عليه الصلاة والسلام حتى أتى بطن الوداي، يعني وادي عرنة، فخطب الناس خطبة طويلة عليه الصلاة والسلام، وذكرهم بالله وبحقه، وبين فيها ما قدمنا من قطعه أمر الجاهلية، ووضعه الربا، ووضعه دماء الجاهلية، ووصيته للمسلمين بالنساء خيراً، وبين حق النساء على الأزواج وحق الأزواج على النساء، وتقدم أيضاً أنه أوصى عليه الصلاة والسلام بكتاب الله، أوصى بالقرآن الكريم، وقال: (إنكم لن تضلوا ما اعصمتم به)، وفي الرواية أخرى: بكتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام، وسبق أن هذا أمر معلوم، فوصيته بكتاب الله وصية بالسنة، لأنها الوحي الثاني، ولأن القرآن أمر بطاعة الله ورسوله، وطاعة الرسول هي امتثال السنة والأخذ بها والتمسك بها، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من خطبته، قال لهم: (وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها للناس ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد)، فهذا يدل على أن الله سبحانه في السماء في العلو، ولهذا رفع يده إلى السماء، وهذا قول أهل السنة والجماعة، أن الله سبحانه فوق العالم فوق جميع الخلق، وأنه سبحانه فوق العرش، فهذا هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة وعلمه في كل مكان سبحانه وتعالى، كما قال عز جل: الرحمن على العرش استوى،وقال سبحانه: وهي العلي العظيم، وقال سبحانه: فالحكم لله العلي الكبير، فهو سبحانه فوق العرش، فوق جميع الخلق، وعلمه لا يخلو منه بمكان، ولهذا استشهد عليه الصلاة والسلام، برفع إصبعه إلى السماء عليه الصلاة والسلام، وفي هذا من الفوائد شرعية خطبة الناس في عرفات وأن ولي الأمر يخطب الناس، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام أو يخطبهم نائبه حتى يبين لهم مناسك حجهم، وحتى يرشدهم إلى أصل الدين وأساسه وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، مع بيان معنى ذلك، وأن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وهما أصل الإسلام، ومعناهما توحيد الله والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد عليه الصلاة والسلام، ويذكر لهم أيضاً ما يحتاجون إليه في هذه الخطبة من مناسك الحج، ومن غير هذا من شؤون الإسلام، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم- بعدما فرغ من خطبته أمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين جمع تقديم، وهذا هو السنة للحجاج أن يصلوا الظهر والعصر قصراً وجمعاً في أول وقت الظهر كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام حتى يتسع الوقت للدعاء والذكر في عرفات، فيكون دخول الخطبة قبل ذلك، قبل الأذان وقبل الصلاة، كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه دلالة على أنه ما صلى الجمعة، وأنه كان يوم الجمعة، فخطب الناس قبل الأذان وذكرهم ثم أذن فصلى الظهر ركعتين، بعدما أقام بلال، ثم صلى العصر ركعتين أيضاً بعد الإقامة هكذا السنة، ويدل ذلك على أن المسافر لا يصلي جمعة، وإنما يصلي ظهراً وهكذا الحجيج إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنهم يصلون ظهراً كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام، لا يصلون جمعة، ولهذا صلى الظهر ركعتين وصلى العصر ركعتين بأذان وإقامتين، بأذان واحد وإقامتين، هذا هو السنة للحجاج، لفعله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تقدم إلى عرفات فوقف عند الصخرات وهو جبل الدعاء ويسمى جبل الرحمة، وجعل وجهه إلى القبلة عليه الصلاة والسلام، وجعل طريق المشاة بين يديه فلم يزل يدعو ويضرع إلى الله رافعاً يديه حتى غابت الشمس، فهذا يدل على أن هذا هو المشروع للحجاج، بعد صلاة الجمع الظهر والعصر أن يتوجهون إلى عرفات إن كانوا خارج عرفات، وإن كانوا في عرفات استقبلوا القبلة واجتهدوا بالدعاء والذكر اقتداء به عليه الصلاة والسلام، وقال لهم عليه الصلاة والسلام لما وقف عند الصخرات واستقبل القبلة، قال: (وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف)، فدل ذلك على أن جميع أجزاء عرفة كلها موقف، وأن الحاج يقف في أي جزء من عرفات ويكفيه ذلك، والسنة استقبال القبلة، أخذ في الدعاء والذكر، سواء كان الجبل أمامه أو عن يمينه أو شماله أو خلفه، يستقبل القبلة، كما استقبلها النبي عليه الصلاة والسلام ويدعو، ويضرع إلى الله ويدعوه سبحانه حتى تغيب الشمس، والسنة أن يرفع يديه، كما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام، وإن أكل أو استراح فلا بأس عليه، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشرب وهو على راحلته، فعلم الناس أنه مفطر وهذا هو السنة أن يفطر الحجيج يوم عرفة، لأنه أنشط لهم على العبادة، ولأنهم ضيوف الرحمن فناسب أن يكونوا مفطرين ينشطون للعبادة والذكر والدعاء في هذا اليوم العظيم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة)، فهذا اليوم، هو ركن الحج، وهو الوقوف فيه، فمن فاته الوقوف في عرفة فاته الحج، ويبتدئ الوقوف بعد الزوال إلى طلوع الفجر قبل ليلة النحر، يعني بقية يوم عرفة على الليلة كلها، ليلة النحر، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، كل هذا موقف، فمن وقف في عرفات بعد الزوال أو بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر فقد أدك الحج، ومن لم يدرك عرفة إلا بعد طلوع الفجر فقد فاته الحج، واختلف العلماء رحمة الله عليهم فيما قبل الزوال في يوم عرفة، هل يجزئ الوقوف فيه، أم لا يجزئ، على قولين: فالأكثرون على أن الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال، لأنه الموقف الذي جعله النبي عليه الصلاة والسلام، وقال آخرون: لو وقف قبل الزوال في صباح عرفة، وانصرف أجزأه ذلك، ولكن عليه دم لأنه لم يقف إلى الغروب، واحتجوا بما جاء من حديث عروة بن مضرس أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أتلفت راحلتي وأتعبت نفسي وما تركت من جبل إلا وقفت عنده، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (من وقف ــــ من مزدلفة وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)، فقوله - صلى الله عليه وسلم- :(وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً يعم ما قبل الزوال، ولهذا ذهب أحمد رحمه الله وجماعة إلى أن الوقوف قبل الزوال يجزئ ويدرك به الحج، وذهب الجمهور رحمة الله عليهم، إلى أنه لا يدرك الحج إلا بالوقوف بعد الزوال، فينبغي للمؤمن أن يحتاط لدينه وأن لا يقف إلا بعد الزوال، كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعدما غابت الشمس توجه عليه الصلاة والسلام إلى مزدلفة بعد غروب الشمس هذا هو المشروع للحجيج أن يمكثوا في عرفات ذاكرين ملبين داعين مخلصين لله خاشعين لله عز وجل حتى تغيب الشمس، فإذا غابت انصرفوا إلى مزدلفة وليس في يوم عرفة دعاء واجب ولا متعين بل يدعو الله بما تيسر، يذكر الله ويدعوه بما تيسر وروي عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، فينبغي أن يكثر من ذكر الله عز وجل وتسبيحه وتحميده وتكبيره واستغفاره والدعاء في هذا اليوم العظيم، فيسأل ربه الجنة ويستعيذ به من النار، ويسأله كل خير سبحانه وتعالى، ويستعيذ به من كل شر، فهو يوم عظيم فيه يتجلى الله لعباده، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أن الله جل وعلا يتجلى للعباد يوم عرفة، ويدنو منهم كما يشاء سبحانه فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ويقول - صلى الله عليه وسلم-: ما من يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة، وإنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم الملائكة، فهو يوم عظيم، يباهي الله فيه ملائكته بالحجيج ويدنو منهم سبحانه وتعالى كما يشاء دنو يليق بجلاله، لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، ويعتق من عتقائه الكثير من النار في هذا اليوم العظيم، فينبغي لك يا عبد الله أن تجتهد في الضراعة إلى الله واستغفاره وسؤاله القبول، وسؤاله العتق من النار في هذا اليوم العظيم، ثم بعد ما وصل مزدلفة، صلى بها المغرب والعشاء، وكان في الطريق عليه الصلاة والسلام يحث الناس على السكينة، وعدم العجلة، ويقول لهم في الطريقة: (السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع)، يعني ليس بالإسراع، ويلبي في طريقه عليه الصلاة والسلام، هكذا السنة إذا انصرف الناس من عرفات بعد الغروب أن يلبوا، ويكثروا من التلبية ولا يعجلوا لئلا يضر بعضهم بعضاً بل بالسكينة، فإذا وجد ـــ عليه الصلاة والسلام، هكذا الناس ينبغي أن يكونوا انصرافهم بالسكينة فمن وجد سعة في بعض الأماكن فلا مانع أن يعجل تعجيلاً لا يضر غيره، فلما وصل صلى الله عليه وسلم مزدلفة أمر بالأذان فأذن ثم صلى المغرب بإقامة ثلاثاً، وصلى العشاء بإقامة ركعتين، فصلاهما بأذان واحد وإقامتين، كما فعلهما في عرفات عليه الصلاة والسلام، هذا هو السنة للحجيج، أن يصلوا المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، يعني قصراً للعشاء أما المغرب فإنها لا تقصر ثلاثاً دائماً في السفر والحضر، فيصليهما بأذان واحد وإقامتين اقتداء بنبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك استراح عليه الصلاة والسلام ونام كما ثبت من حديث جابر رضي الله عنه حتى طلع الفجر، فلما طلع الفجر، قام فصلى الفجر بأذان واحد وإقامة صلاها بغلس أبدل من عادته عليه الصلاة والسلام حتى يتسع الوقت للوقوف عند المشعر الحرام، وأذن للضعفاء والنساء والشيوخ بالانصراف من مزدلفة ليلاً لئلا ...الناس، وأما الأقوياء فجلسوا معه حتى صلوا الفجر، ووقفوا عند المشعر، ودعوا الله كثيراً، حتى أسفروا، فلما أسفر - صلى الله عليه وسلم- انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس، هكذا ينبغي للناس، أن يبقوا في مزدلفة حتى يبيتوا بها ويصلوا بها الفجر، أما الضعفاء من النساء والعجائز والشيوخ الكبار والصبيان وغيرهم ومن يكون معهم فلا بأس، بل الأفضل أن ينصروا قبل حضرة الناس، من مزدلفة إلى منى، في النصف الأخير من الليل، ومن انصرف معهم من محارمهم ومن معهم في رحلهم فلا بأس عليه، أما القوي الذي ليس معه نساء، فالأفضل له أن يبقى حتى يصلي الفجر، ثم يدعو الله ويذكره كثيراً، حتى يسفر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم- لما وقف من مزدلفة، قد وقفت هاهنا وجمع كلها موقف، يعني مزدلفة، يقال لها: جمع، فالمعنى أن مزدلفة كلها موقف، كما أن عرفة كلها موقف، كل إنسان في مزدلفة يجلس في محله، ويدعو الله ويستغفر ويضرع إليه سبحانه وتعالى ويذكر الله وليس هناك حاجة إلى أن يتقدم إلى قزح موقف النبي عليه الصلاة والسلام، الجبل المعروف، بل كل إنسان يدعو الله في مكانه والحمد لله، وكان في عرفات وفي مزدلفة يرفع يديه في الدعاء، ويلح بالدعاء عليه الصلاة والسلام، فالسنة رفع اليدين مع الإلحاح بالدعاء، والإكثار من الدعاء، تأسياً به عليه الصلاة والسلام، ومن انصرف من الأقوياء إلى منى قبل طلوع الفجر أجرأه على الصحيح، لكنه فاته الفضل فالأفضل له والكمال أن يجلس حتى يصلي الفجر وحتى يقف بعد طلوع الفجر يذكر الله ويثني عليه ويدعو إلى أن ينصرف قبل طلوع الشمس، وكان المشركون ينصرفون بعد طلوع الشمس فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وانصرف قبل طلوع الشمس بعدما أسفر من الطلوع، وهذا هو المشروع لجميع الحجاج أن ينصرفوا قبل طلوع الشمس اقتداء به عليه الصلاة والسلام، ولعل هذا المقدار يكفي في هذه الحلقة، حتى نكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله. إذن وصل بنا الحال إلى انصرافه صلى الله عليه وسلم من مزدلفة.