غلبة الظن في وقوع الطلاق

السؤال: هل تكفي غلبة الظن في وقوع الطلاق؟ وما حكم الشخص الذي لا يستطيع الوصول إلى اليقين في كثير من الأفعال؛ هل صدرت منه أم لا؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: فإن الظنَّ أو الشك في وقوع الطلاق لا يقع به الطلاق بإجماع العلماء، سواءٌ شكَّ: هل طلق أو لا؟ إلا أن يستند في شكه على دليلٍ قاطعٍ في نطقه بالطلاق، ولا يعتبر في هذه المسألة غلبة الظنٍّ مطلقاً -كما حكاه السيوطي، في (أسنى المطالب)- لأنه لا يُتصوَّر في هذه المسألة غلبة ظنٍّ -كانتقاض الوضوء-، وإنما هو ظنٌّ أو يقينٌ. ودليل أهل العلم على عدم الوقوع: أن الأصل استصحاب العصمة الثابتة قبل الشكِّ، ولأن الشكَّ هنا ملغى، كالشك في الحَدَث، أو الحيض بعد الطهارة، والعتاق، والظّهار، وحرمة الرّضاع وما إلي ذلك، ولا يلزمه شيءٌ من هذا كله. واستدلوا لذلك بأن النكاح ثابت بيقين؛ فلا يزول بالشكِّ؛ لقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]. -قال القاضي ابن العربي المالكي في (أحكام القرآن): "فلا يبطل النكاح بالشكِّ في الطلاق، إجماعاً من أكثر الأئمة".- وقال ابن قُدامة في (المُغْني): "وإذا لم يَدْرِ: أطلَّق أم لا؛ فلا يزول يقين النكاح بشكِّ الطلاق". وجملة ذلك: أن من شكَّ في طلاقه؛ لم يلزمه حُكْمُهُ؛ نصَّ عليه أحمد، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي; لأن النكاح ثابتٌ بيقين؛ فلا يزول بشكٍّ، والأصل في هذا: حديث عبد الله بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؛ فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً" (متَّفقٌ عليه). فأمره بالبناء على اليقين، وإطراح الشكّ، ولأنه شكٌّ طرأ على يقين؛ فوجب إطراحُه، كما لو شكَّ المتطهِّرُ في الحَدَث، أو المُحْدِثُ في الطَّهارة. - قال الإمام النووي رحمه الله في (المجموع): "لذا؛ لو شكَّ في طلاق، أو عِتْق، أو حَدَث، أو طهارة، أو حيض زوجته وأَمَتِه؛ فله البناء على الأصل، ولا يلزمه شيءٌ، هذا كله ما لم يستند الظنُّ إلى سبب معيَّن".- وقال في (التاج والإكليل): "قال ابنُ شاس: إن شكَّ: هل طلق أم لا؟ ولم يستند شكُّه إلى أصل؛ فلا يلزمه الطلاق، ولا يؤمر به". وبناءً على ما تقدَّم: فإنْ كان ما تظنَّه مجرد خواطر أو وسوسة؛ فليس عليك طلاقٌ؛ لأن الطلاق ليس فيه إلا يقين أو ظنٌّ؛ فإن تيقنت أنك تلفَّظت بصريح الطلاق من غير وسوسة، فالطلاق نافذٌ. فإن مجرَّد حديث النفس دون التلفظ باللسان لا يُؤاخَذ به شرعاً؛ فالوسوسة ليست من نفس الإنسان ولا من كسبه، وإنما هي صادرةٌ من فعل الشيطان؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثتْ به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم"، قال البخاري عقب روايته للحديث: "قال قتادة: إذا طلَّق في نفسه؛ فليس بشيءٍ"، والله أعلم.

-------------------------------------
من فتاوى موقع الألوكة