كفر من زعم أن الرب مركب مؤلف

السؤال: كفر من زعم أن الرب مركب مؤلف
الإجابة: وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف؛ بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة، فهذا من أكفر الناس وأجهلهم، وقوله شر من قول الذين يقولون‏:‏ إن للّه ولدًا؛ بمعنى أنه انفصل منه جزء فصار ولدًا له، وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير‏:‏ ‏{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏]‏، وفي غير ذلك‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ هو جسم؛ بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو أيضًا باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق سبحانه وتعالى‏؟‏‏!‏ وهذا مما يمكن أن يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية، والكرامية وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم؛ إذ من هؤلاء من يقول‏:‏ إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر المنفردة، ويقولون مع ذلك‏:‏ إن الرب جسم، وأظن هذا قول بعض الكرامية، فإنهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد، وهم متفقون على أنه سبحانه جسم‏.‏

لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم، هل المراد به أنه موجود قائم بنفسه، أو المراد به أنه مركب‏؟‏ فالمشهور عن أبي الهَيْصَم وغيره من نظارهم أنه يفسر مراده؛ بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه، لا بمعنى أنه مؤلف مركب‏.‏ وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون؛ فإنهم لم يثبتوا معنى فاسدًا في حق اللّه تعالى لكن قالوا‏:‏ إنهم أخطئوا في تسمية كل ما هو قائم بنفسه، أو ما هو موجود جسمًا، من جهة اللغة؛ قالوا‏:‏ فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الجسم إلا على المركب‏.
‏‏
والتحقيق أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة، أولئك الذين يسمون كل ما هو قائم بنفسه جسمًا، وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدي إليه جسمًا، وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب، وأن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على كل ما كان مركبًا‏.
‏‏ فالخطأ في اللغة، والابتداع في الشرع مشترك بين الطائفتين‏.‏

وأما المعاني‏:‏ فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه اللّه ورسوله، أو نفي ما أثبت اللّه ورسوله، فهو مخطئ عقلاً، كما هو مخطئ شرعا‏.

‏‏ بل أولئك يقولون لهم‏:‏ نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسمًا في غير محل النزاع، ثم ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي اتفقنا نحن وأنتم عليها، فبينا أنه لا يختص؛ لأن ذلك مبني على أن الأجسام مركبة، ونحن نمنع ذلك ونقول‏:‏ ليست مركبة من الجواهر المنفردة‏.‏

ولهذا كره السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره أن ترد البدعة بالبدعة، فكان أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق، وألزمه أبو عيسى محمد ابن عيسى برغوث ‏[‏هو أحد مناظري الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب ‏[‏الاستطاعة‏]‏ و‏[‏المقالات‏]‏ وغيرهما، توفي سنة 240هـ وقيل‏:‏ سنة 241هـ‏]‏، أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون اللّه جسمًا وهذا منتف، فلم يوافقه أحمد، لا على نفي ذلك، ولا على إثباته؛ بل قال‏:‏ ‏{‏‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏‏ ‏[‏سورة الإخلاص‏]‏‏.

‏‏ ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به‏.
‏‏
وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافقه، لا على إثباته، ولا على نفيه‏.
‏‏ فإن ذكر معنى أثبته اللّه ورسوله أثبتناه، وإن ذكر معنى نفاه اللّه ورسوله نفيناه باللسان العربي المبين، ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع، محرفة في اللغة، ومعانيها متناقضة في العقل، فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة‏.‏

وكذلك أيضًا لفظ ‏[‏الجبر‏]‏ كره السلف أن يقال‏:‏ جبر، وأن يقال‏:‏ ما جبر؛ فروى الخلال في كتاب ‏[‏السنة‏]‏ عن أبي إسحاق الفزاري الإمام قال‏:‏ قال الأوزاعي‏:‏ أتاني رجلان، فسألاني عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما‏.‏
قلت‏:‏ رحمك اللّه، أنت أولى بالجواب‏.
‏‏
قال‏:‏ فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال‏:‏ تكلما، فقالا‏:‏ قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر، ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب، إلى أن قلنا‏:‏ إن اللّه قد جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقال‏:‏ أجبهما يا أبا إسحاق، قلت‏:‏ رحمك الله، أنت أولى بالجواب، فقال‏:‏ أجبهما، فكرهت أن أخالفه، فقلت‏:‏ يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثًا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه، فقال‏:‏ أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق‏.
‏‏
وروي أيضًا عن بَقِيَّة بن الوليد قال‏:‏ سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي‏:‏ أمر اللّه أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق‏.
‏‏
وروي عن أبي بكر المروذي قال‏:‏ قلت لأبي عبد اللّه‏:‏ تقول‏:‏ إن اللّه أجبر العباد‏؟‏ فقال‏:‏ هكذا لا تقول، وأنكر هذا‏.
‏‏ وقال‏:‏ يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء‏.‏

وقال المروذى‏:‏ كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال‏:‏ إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري‏:‏ إن اللّه لم يجبر العباد على المعاصي؛ فرد عليه أحمد بن رجاء فقال‏:‏ إن اللّه جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فوضع أحمد بن على كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد اللّه وأخبرته بالقصة قال‏:‏ ويضع كتابًا‏؟‏‏!‏ وأنكر عليهما جميعًا‏:‏ على بن رجاء حين قال‏:‏ جبر العباد، وعلى القدري الذي قال‏:‏ لم يجبر، وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي‏:‏ يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال‏:‏ جبر العباد‏.
‏‏ فقلت لأبي عبد اللّه‏:‏ فما الجواب في هذه المسألة‏؟‏ فقال‏:‏ يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء‏.
‏‏
قال الخلال‏:‏ وأخبرنا المروذي في هذه المسألة‏:‏ أنه سمع أبا عبد اللّه لما أنكر على الذي قال‏:‏ لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد اللّه‏:‏ كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال‏:‏ يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد شيئًا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم‏.
‏‏
قال المروذي‏:‏ فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن على من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا، فأدخلت أحمد بن على على أبي عبد اللّه، فقال‏:‏ يا أبا عبد اللّه، هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر اللّه، فقال أبو عبد اللّه لي‏:‏ ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه‏.‏

قال المروذي‏:‏ سمعت بعض المشيخة يقول‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول‏:‏ أنكر سفيان الثوري جبر، وقال‏:‏ اللّه تعالى جبل العباد‏.‏ قال المروذي‏:‏ أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشَجِّ عبد القيس‏.‏

قلت‏:‏ هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما المقصود التنبيه على أن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن اللّه من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم‏.
‏‏
والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك؛ كلفظ الجسم، والجهة، والحيز، والجبر ونحو ذلك، بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه، ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان بما قاله مجملًا‏.
‏ولو قدر معنى صحيح والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر به لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين، بخلاف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن التصديق به واجب‏.‏

والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة‏.
‏‏
ولما انتشر الكلام المحدث، ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة، وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة، صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل، يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال، أو يخلص منها إن كان قد وقع ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك‏.‏

وهذا مبسوط في موضعه‏.
‏‏ والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلًا، والنافي له ينفي الحق والباطل‏.‏

فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفرت القلوب‏.‏

وإذا ألزموه ما يلزمونه من التجسيم الذي يدعونه نفر إذا قالوا له‏:‏ هذا يستلزم التجسيم؛ لأن هذا لا يعقل إلا في جسم لم يحسن نقض ما قالوه، ولم يحسن حله‏.
‏‏ وكلهم متناقضون‏.‏

وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه، لا يعقل منه إلا ما يعقل في قليل من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم‏.
‏‏ وهذا في غاية الجهل؛ فإن من المخلوقات مخلوقات لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا‏.‏
ولا يلزم أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلًا لها، فكيف يكون مماثلًا لما شاهدوه‏؟‏‏!‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - المجلد الخامس (العقيدة)