درجةُ حديث: "مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ له شَفاعتي"

السؤال: ما مدى صحَّة الحديث الذي يقول: "مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لهُ شَفاعتي"؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:
فالحديثُ أخرجهُ الدُّولابِيُّ في (الكُنَى والأسماء:2/846)، عن عليٍّ بنِ مَعْبَدِ بن نوحٍ، وابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحه) -كما في (ميزان الاعتدال: 6/567)- عن محمَّدٍ بنِ إسماعيلَ الأَحْمَسِيِّ، وابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحه) -كما في (لسان الميزان: 6/135)، والدَّارَقُطْنِيُّ في (سُنَنِه: 2/278)، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمان: 3/490) من طريقِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ محمَّدٍ الوَرَّاق، والعُقَيْلِيُّ في (الضُّعفاء: 4/170) من طريق جعفرِ بنِ محمِّدٍ البُزُورِيِّ، والدِّينَوَرِيُّ في (المجالسة وجواهر العلم: 129)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل: 6/351)- ومن طريقه البَيْهَقِيُّ في (شُعَبْ الإيمان: 3862) -من طريق محمَّدٍ بنِ إسماعيلَ بنِ سَمُرَةَ؛ جميعُهم عن موسى بن هلال، عن عبد الله بن عمر العُمَرِيِّ - وقال بعضهم: عُبَيْدالله بن عمر- عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لهُ شَفاعتي".

قلتُ: فيه موسى بنُ هلال؛ قال ابنُ أبي حاتم في (الجَرْح والتَّعديل: 8/166): سألت أبى عنه فقال: "مجهولٌ". قال ابنُ القَطَّان في (بيان الوهم والإيهام: 4/323): "وهو كما قالَ".

قال العُقَيْلِيُّ: "موسى بنُ هلال سَكَنَ الكوفةَ، عن عُبيْدِ الله بنِ عمرَ، ولا يَصِحُّ حديثُهُ، ولا يُتَابَعُ عليه ... والرواية في هذا البابِ فيها لِينٌ".

قال ابنُ عَدِيٍّ: "وقد روى غيرُ ابنِ سَمُرَة هذا الحديثَ عن موسى بن هلال فقال: عن عبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ". قال -أي ابنُ عَدِيٍّ-: "وعبدُ الله أَصَحُّ، ولموسى غيرُ هذا، وأرجو أنَّه لا بأسَ به".

قال ابنُ القَطَّان في (بيان الوهم والإيهام: 4/324): "وهذا من أبي أحمد قولٌ صَدَرَ عن تَصَفُحِّ رواياتِ هذا الرَّجل، لا عن مباشرَةٍ لأحوالِه؛ فالحقُّ فيه أنَّه لم تثبتْ عدالته".

قال ابنُ عبد الهادي في (الصَّارم المُنْكِي: ص34): "وهذا الذي صحَّحه ابنُ عَدِيٍّ هو الصَّحيحُ، وهو أنَّه من رواية عبدِ الله بنِ عمرَ العُمَريِّ الصَّغيرِ المُكَبَّرِ المضعَّفِ، ليس من رواية أخيه عُبَيْدِ الله العُمَرِيِّ الكبيرِ المُصَغَّر الثَّقةِ الثَّبْتِ؛ فإنَّ موسى بنَ هلالٍ لم يلحقْ عُبَيْدَ الله؛ فإنَّه ماتَ قديمًا سنةَ بضعٍ وأربعينَ ومائةٍ، بخلاف عبدِ الله؛ فإنَّه تأخَّر دهرًا بعد أخيه، وبقيَ إلى سنة بضعٍ وسبعينَ ومائةٍ.

ولو فُرِضَ أنَّ الحديثَ من رواية عُبَيْدِ الله لم يلْزمْ أنْ يكونَ صحيحًا؛ فإنَّ تَفَرُّدَ موسى بنِ هلالٍ به عنهُ دونَ سائر أصحابه المشهورينَ بملازمته وحفظِ حديثه وضَبْطِه - من أَدَلِّ الأشياءِ على أنَّه منكرٌ غيرُ محفوظٍ، وأصحابُ عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ المعروفون بالرِّواية عنهُ؛ مثلُ: يحيى بنِ سعيدٍ القَطَّان، وعبدِ الله بنِ نُمَيْرٍ، وأبي أسامة حمَّادِ بنِ أسامة، وعبدِ الوهَّاب الثَّقَفِيِّ، وعبدِ الله بنِ المبارَك، ومُعْتَمِرٍ بنِ سليمان، وعبد الأعلى بنِ عبدِ الأعلى، وعليِّ بنِ مُسْهِر، وخالدِ بنِ الحارثِ، وأبي ضَمْرَةَ أنسِ بنِ عِيَاضٍ، وبِشْرِ بنِ المُفَضَّلِ، وأشباهِهم وأمثالهِم منَ الثِّقاتِ المشهورينَ.

فإذا كان هذا الحديثُ لم يرْوِهِ عن عبيدِ الله أحدٌ من هؤلاء الأثبات، ولا رواهُ ثقةٌ غيرُهم؛ عَلِمْنَا أنَّه منكرٌ غيرُ مقبولٍ، وجَزَمْنَا بخطأ مَنْ حسَّنَهُ أو صحَّحَهُ بغير علمٍ". أهـ.

قال البَيْهَقِيُّ: "وسواءٌ قال عُبَيْدُ الله أو عبدُ الله؛ فهو منكَرٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، لم يأتِ به غيرُهُ".

قال ابنُ عبدِ الهادي في (الصارم المُنْكِي: ص32): "وهذا الذي قالَهُ البَيْهَقِيُّ في هذا الحديث، وحَكَمَ به عليه - قولٌ صحيحٌ بَيِّنٌ، وحُكْمٌ جَلِيٌّ واضحٌ، لا يشكُّ فيه مَنْ له أدنى اشتغالٍ بهذا الفنِّ، ولا يردُّه إلا رجلٌ جاهلٌ بهذا العِلْمِ.

وذلك أنَّ تَفَرُّدَ مثلَ هذا العَبْدِيِّ المجهولِ الحالِ، الذي لم يَشْتَهِرْ من أمره ما يُوجِبُ قَبولَ أحاديثه وخَبَرِه عن عبدِ الله بنِ عمرَ العُمَريِّ، المشهورِ بسوء الحفظ، وشدَّة الغفلة - عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بهذا الخَبَر، من بين سائرِ أصحابِ نافعٍ الحُفَّاظِ الثِّقاتِ الأثْبَاتِ، مثلِ يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، وأيُّوبٍ السَّخْتِيَانِيِّ، وعبدِ الله بن عَوْنٍ، وصالحِ بنِ كَيْسَانَ، وإسماعيلَ بنِ أُمَيَّةَ القُرَشيِّ، وابنِ جُرَيْجٍ، والأوزاعيِّ، وموسى بن عُقْبَةَ، وابنِ أبي ذئبٍ، ومالكِ بنِ أَنَسٍ، واللَّيْثِ بنِ سعدٍ، وغيرِهم منَ العالمين بحديثِه، الضَّابِطينَ لرواياتِه، المُعْتَنِينَ بأخبارِه، المُلازِمينَ له - من أقوى الحُجَج، وأَبْيَنِ الأدلَّة، وأوضحِ البراهينِ على ضَعْفِ ما تفرَّدَ به، وإنكارِه، وردِّه، وعدمِ قَبوله. وهل يشك في هذا مَنْ شَمَّ رائحةَ الحديث، أو كان عنده أدنى بَصَرٍ به؟!!

هذا مع أنَّ أَعْرَفَ النَّاس بهذا الشَّأن في زمانه، وأثبتَهم في نافعٍ، وأعلمَهم بأخباره، وأضبطَهم لحديثه، وأشدَّهم اعتناءً بما رواهُ مالكُ بنُ أنسٍ؛ إمامُ دار الهجرة - قَدْ نَصَّ على كراهية قول القائل: "زُرْتُ قبرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا اللفظُ معروفًا عنده، أو مشروعًا، أو مأثورًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لم يَكْرَهْهُ.

ولو كان هذا الحديثُ المذكورُ من أحاديث نافعٍ التي رواها عنِ ابنِ عمرَ؛ لم يَخْفَ على مالكٍ، الذي هو أَعْرَفُ الناس بحديث نافعٍ، ولَرَوَاهُ عن مالكٍ بعضُ أصحابه الثِّقاتِ. فلمَّا لم يَرْوِهِ عنه ثقةٌ يُحْتَجُّ به ويُعْتَمَدُ عليه؛ عُلِمَ أنَّه ليس من حديثه، وأنَّه لا أصلَ لهُ؛ بل هو ممَّا أُدْخِلَ على بعض الضُّعفاءِ المغفَّلينَ في طريقه؛ فرواهُ وحدَّثَ به".أهـ.

قال ابنُ خُزَيْمَةَ - كما في (لسان الميزان: 6/135): "إنْ ثَبَتَ الخَبَرُ؛ فإنَّ في القَلْبِ مِنْهُ.."!! وقال: "أنا أَبرأُ من عُهْدَتِهِ، هذا الخبر من رواية الأَحْمَسِيِّ أَشْبَهُ؛ لأنَّ عُبَيْد الله بنِ عمرَ أَجَلُّ وأحْفَظُ من أنْ يرويَ مثلَ هذا المنكر؛ فإن كان موسى بنُ هلال لم يَغْلَطْ فيمَنْ فوقَ أحد العُمَرِيَّيْن، فيُشْبِهُ أنْ يكونَ هذا من حديث عبدِ الله بنِ عمرَ. فأمَّا من حديث عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ؛ فإنِّي لا أشكُّ أنَّه ليس من حديثه".

قال الحافظُ: "هذه عبارتُهُ بحروفها، وعبدُ الله بنُ عمرَ العُمَرِيُّ -بالتّكبير- ضعيفُ الحديث، وأخوه عُبَيْدُ الله بنُ عمرَ-بالتَّصْغِير- ثقةٌ حافظٌ جليلٌ. ومع ما تَقَدَّمَ من عبارة ابنِ خُزَيْمَةَ، وكَشْفِهِ عن علَّة هذا الخبر؛ لا يَحْسُنُ أن يُقالَ: (أخرجهُ ابنُ خُزَيْمَةَ في صحيحه)، إلا مع البيان". اهـ.

قال الحافظُ في (تلخيص الحَبِير: 2/267): "فَائدَةٌ: طُرُقُ هذا الحديث كلُّها ضعيفةٌ!".

هذا؛ وقد تَكَلَّمَ على طُرُقِ الحديث بما لا مزيد عليه الحافظُ ابنُ عبدِ الهادي، في كتابه الماتع (الصَّارمُ المُنْكِي)، فانْظُرْهُ، والله أعلم.

المصدر: موقع الآلوكة