الحائض والنفساء يشرع لها أن تذكر الله وتقرأ القرآن

أثناء العادة الشهرية هل يجوز أن أذكر اسم الله -تعالى- في القلب، مثل أن أقول: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ، أو أستغفر الله، أو أستمع إلى القرآن الكريم، أو أقول بعد كل أذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتي سيدنا محمدا صلى الله ع
الحائض والنفساء يشرع لهما ما يشرع للناس من التسبيح والتهليل والتكبير والذكر والدعاء والاستغفار بالقلب واللسان، لا بالقلب وحده، بل حتى باللسان، مشروعٌ لها أن تذكر الله وتسبحه وتعظمه، وتجيب المؤذن والمقيم تجيبهما، وتقول مثل قولهما، وتقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وتصل على النبي بعد الأذان -عليه الصلاة والسلام-، وتقول (اللهم رب هذه الدعوة التامة...) إلى أخره ، كل هذا مشروع للجميع الحائض والنفساء وغيرهما، وإنما الخلاف في القرآن هل تقرأ أو ما تقرأ، هذا محل الخلاف، وأما الأذكار والدعوات والاستغفار فليس فيها خلاف، وتلبي إذا كانت حاجة، تقول: (اللهم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك)، وتسمي عند الأكل وعند الشرب، تحمد الله وتستغفره، وتذكره كثيراً، هذا لا شيء فيه عند جميع أهل العلم، وإنما اخلتف العلماء -رحمة الله عليهم- فيما يتعلق بالقرآن، هل تقرأ أو ما تقرأ؟ فذهب جمع من أهل العلم وحكاه بعضهم قول الأكثر أنها لا تقرأ، واحتجوا بحديث روي عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أنه كتب إلى أهل اليمن: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر)، قالوا: والحائض تدخل في هذا، والجواب أن هذا إنما هو في المس لا تمسه، وأما القرآن فإنها تقرأ، كما يقرأ المحدث الذي لم يتوضأ، وإنما النهي عن مسه، فهي لا تمسه، كما لا يمسه الجنب والمحدث، ولكن لا مانع من القراءة للمحدث حدثاً أصغر غير الجنابة يقرأ القرآن عن ظهر قلب، فهكذا الحائض تقرأ عن ظهر قلب لا بأس. واحتج المانعون بحديث رواه الترمذي عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (لا تقرأ الحائض ولا النفساء شيئاً من القرآن)، والجواب عن هذا أنه حديث ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش -رحمه الله- عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة عند أهل العلم. والصواب أن الحائض والنفساء لهما القراءة عن ظهر قلب، من غير مس المصحف، كالمحدث حدثاً أصغر، يقرأ ولكن لا يمس المصحف. أما الجنب فلا يقرأ لا عن ظهر قلب ولا عن مس المصحف حتى يغتسل؛ لأن الجنب مدته قصيرة متى فرغ من حاجته اغتسل، فلهذا كان أمره خاصاً، والحجة في هذا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أصابته جنابة لا يقرأ القرآن، كما ثبت من حديث علي -رضي الله عنه- قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحجزه شيء عن القرآن إلا الجنابة)، وفي رواية: (أنه قرأ لما خرج من قضاء الحاجة قرأ بعض القرآن، وقال: هذا لمن ليس جنباً، أما الجنب فلا ولا آية) فدل ذلك على أن الجنب لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، والحائض والنفساء لا تقاسان عليه؛ لأن مدتهما تطول، وفي حرمانهم من القرآن مشقة عظيمة، فلهذا الصواب أنهما تقرأن لكن من دون مس المصحف، ولا يجوز قياسهما على الجنب، فإن دعت الحاجة إلى القراءة من المصحف جازت من وراء حائل، كأن تمسه من وراء قفازين أو يمسه لها غيرها يمسكه عليها بنتها أو أختها الطاهرة، وتقرأ بالنظر إليه من غير أن تمسه لا بأس بهذا، ولكن مسها له لا يجوز حتى تطهر، كالمحدث وكالجنب أيضاً تغتسل، أما هي فإنها تقرأها عن ظهر قلب كالمحدث حدثاً أصغر، هذا هو الصواب، وأما التسبيح والتهليل والأذكار والدعاء والاستغفار فهذه مشروعة للجميع، للجنب والحائض والنفساء والمحدثين كلهم لا يمنعون من هذا، وإنما الخلاف في القرآن فقط هذا محل الخلاف بين أهل العلم. وفق الله الجميع.