شرب الدخان وقصة وقعت لشاربه

السؤال: سائل يسأل عن حكم شرب الدخان، ويقول: إذا قلتم: إنه حرام فنطلب الدليل على تحريمه باختصار أقرب للفائدة. ويقول: إنني سمعت أنا وزملائي بقصة رجل فيما مضى كان يشرب الدخان، فلما مات ووضع في قبره حفروا قبره لأخذ شيء سقط في القبر فشوهد في قبره وهو يمص ذكره بفمه. فهل هذه القصة صحيحة، ومن رواها؟ نرجوكم أن تذكروا لنا نصها.
الإجابة: لا ريب في خبث الدخان ونتنه، وهو حرام قامت الأدلة على تحريمه بالنقل الصحيح، والعقل الصريح، وكلام الأطباء المعتبرين. وهذا الذي عليه الفتوى في هذه البلدان من عهد أئمة الدعوة رحمهم الله إلى وقتنا هذا. وقد صرح بتحريمه المحققون من علماء المذاهب الأربعة.

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (1). وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (2).

هذا مع ما فيه من إضاعة المال الذي كرهه الله لنا، وما فيه من الإسراف، والتبذير، وما فيه من الأضرار التي تلحق البدن، والعقل.

وكلام الأطباء فيه معروف فلا نطيل بسرده.

وأما القصة التي ذكرها السائل، فقد تناقلها الرواة، وسمعناها من أكثر من واحد. وهي تدل على عذاب القبر، والتعوذ بالله منه، وممن ذكرها الإمام محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي في كتابه المسمى (البحور الزاخرة في علوم الآخرة)، ولا مانع من نقلها لك بحروفها من الكتاب المذكور (ص 135) من المجلد الأول والعهدة في ذلك على الراوي، قال السفاريني رحمه الله تعالى: وأخبرني الشيخ التقي المتعبد، وهو غير متهم، بل ثقة صدوق، أعني الشيخ صالح بن الشيخ محمد جراح، سنة 1137 سبعة وثلاثين بعد المائة والألف في شهر رجب في خلوته بدمشق الشام، في مدرسة الشيخ مراد، في رحلتي في طلب العلم. وكان صالح يتردد علي يقرأ في علم العَروض، وقال: أخبرني والدي الشيخ محمد الجراح العجلوني، قال: ذكر لي جماعة من أهل بلدة، وسماها، قالوا: كان عندنا رجل يُظَنُّ به الخير غير أنه يشرب التُّتن (3) فتوفي في يوم شديد الشتاء والبرد، فلم يستطيعوا أن يَحْفِروا له قبراً من شدة الثلج فقالوا: نضعه في خشخاشة، ففعلوا، فنزل عليه رجل فسواه، ثم خرج، فلما كان بعد العشاء الآخرة، وأراد أن ينام، تذكر أنه كان معه صُرَّةُ دراهم، وظن أنها إنما وقعت في الخشخاشة، فقال لأولاده، وكانوا ثلاثة -أو قال اثنين-: قوموا بنا إلى الخشخاشة، وذكر لهم الخبر، فقالوا: غدًا نذهب إليها. فقال: بل الليلة لئلا تكون الدراهم ليست فيها فنفتضح غدًا، وأما الآن فإن لقيناها فبها ونِعْمَتْ، وإلا فلا أحد يعلم خبرنا. قال: فأخذوا ضَوْْءًا وذهبوا إلى المحل، ففتح الرجل على الميت، فلقي القبر ملآن ناراً عليه، وإذا بالميت جالس، وإذا بذكره ممدود، وإذا هو واضع رأس ذكره في فمه، ويَخْرُجُ من فمه دُخَانٌ منتن، والقبر يَضْرَمُ عليه ناراً. قال: فَذَهِلَ الرجل وأولاده، وصرخ بأهل بلده، فأتوا ونظروا في حالته، ولم يقدر الرجل أن يهجم على القبر لينظر الدراهم لشدة النار.
قال: وهذه قصة معلومة، قد أخبرني والدي أنه ذَكَرَ هذا له جماعةٌ من أهل تلك البلدة، ومن جملتهم الرجل الذي ضاعت دراهمه، أو كلاماً هذا معناه. والله أعلم بحقيقة ذلك.أ.هـ. من كتاب (البحور الزاخرة) (ص 135). والله أعلم.

___________________________________________

1 - سورة الأعراف: الآية (157).
2 - مسلم (2003)، وأحمد (2/ 29).
3 - التُّتُن: هو التَّبَغ (المعجم الكبير) ط. مجمع اللغة بالقاهرة (3/39).