ما حكم كثرة الحلف لاسيما للبائعين، وهل تجب عليهم الكفارة؟

السؤال: ما حكم كثرة الحلف لاسيما للبائعين، وهل تجب عليهم الكفارة؟
الإجابة: من حلف وعقد قلبه، أكثر الحلف أم لم تكثر، فتجب في حقه الكفارة، وعلى كل يمين حلفه كفارة، وأما إن كان لغواً، يجري على لسانه من غير تعقيد قلب فلا كفارة عليه، لقول الله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}، فالعبرة بتعقيد اليمين في القلب، وحتى عقد اليمين في القلب فيجب فعله، فإن رأى الحالف غيره خيراً منه فله ذلك بشرط الكفارة، والأصل أن يحفظ الإنسان يمينه لقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم}.

وكثرة الحلف عادة قبيحة ذكرها الله عز وجل من صفات أهل النار، فقال: {ولا تطع كل حلاف مهين}، فكثرة الحلف ليست من صفات المؤمنين، وإن كان الحلف بالله جائزاً، لأنه تعظيم له سبحانه، لكن الإكثار منه على كل شاردة وواردة، وأن يكون شيئاً دارجاً على اللسان فهذا أمر ليس بحسن، لاسيما من قبل التجار، ولاسيما إن كان المقصد من الحلف ترويج السلعة فهذا أمر مذموم، وقد صح عند الحاكم في (المستدرك) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة..." وذكر الذين يحبهم، فقال أبو ذر: من الثلاثة الذين يبغضهم الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "المختال الفخور والبخيل المنان والبائع الحلاف"، والحلاف على وزن فعال، وهي صيغة مبالغة فهو كثير الحلف.

وأخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: مر أعرابي بشاة، فقلت: تبعها بثلاثة دراهم؟ فقال: لا والله، ثم باعها بثلاثة دراهم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "باع آخرته بدنياه"، وكم من إنسان يحلف ألا يبيع ثم يبيع! وأخرج الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب"، فمن أسباب عدم الكسب الحلف، وفي رواية عند أبي داود: "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة"، فالحلف يمحق البركة، وأخرج مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق"، فهذه نصوص صريحة في عدم جواز كثرة الحلف على السلعة.

ومن مظنة كذب التجار اليوم كثرة الحلف، فإن رأيت تاجراً يكثر الحلف، فإنه يقوم في قلب صاحب الفراسة والفطنة أنه يكذب، ولو كان صادقاً ما احتاج لهذا الحلف، فإن أردت أيها التاجر أن تروج سلعتك فاذكر محاسنها، واصدق في وصفها، واترك الحلف الكاذب الذي يمحق البركة، وما أحوجنا في هذه الأيام للبركة، فما أكثر الأشياء وما أقل بركتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونحن بحاجة من الخطباء والوعاظ إلى بيان أسباب وجود البركة وأسباب نزعها من الأشياء، فإن التاجر لا يرى بركة في تجارته على كثرتها، والأب لا يرى بركة في أولاده على كثرتهم، فما أحوجنا إلى أن ننتبه لهذه الأمور.