حكم حرمان بعض الورثة من ميراثهم لسبب شرعي

السؤال: تقدَّم عريسٌ لابْنَتِي، وأعطاني عنوانًا لشركةٍ يَملِكُها وتليفون الشركة واسمَ عائلته، سألتُ عن العائلة التي نسب نفسه إليها فإذا به ليس من هذه العائلة، ولا يُوجَد له شركة ولا عملٌ مستَقِرٌّ والتليفون خطأ، ولا يتحدَّث عن نفسِه بصدق. وبعدَ سؤالي وتأكُّدي من عدم صِدْقِه تَحدَّثتُ مع ابنتي عن حقيقةِ هذا الشَّخصِ؛ بأنَّه نسب أشياءَ لِنَفْسه وهي غيْرُ موجودةٍ به وأنَّه إنسان بدأ بكذب ونِفاق، وأنَّه سيكون غيْرَ أمينٍ عليْها إذا تزوَّجها لأنَّه بدأ بكذِبٍ ونِفاق. ولكنَّ ابنَتِي قالتْ: أنا سأتزوَّجُه مهما كان به من عُيوب، وتركتِ المنزل من غير إذني، وكتبتْ كِتابَها عليه بِدون عِلْمي ولا علمِ أحدٍ من أهلِها، وقالت: أنا اخترته زوجًا لي ولا أريد نصيحة أحد، فقلتُ لها: اخترتِ هذا الكذَّاب وفضَّلتِه على أهلكِ! فقالتْ: هو الآن زوجي وأهلي، وأنا لا أريد أحدًا غيرَه ولا يهم أهلي، "يغوروا" في ستين داهية، أنا لا يهمُّني غير أني أتزوَّج وأعيش مع هذا الشخص. وتَمَّ تخييرُها بين أهلِها وهذا الشَّخْصِ فاختارت هذا الشخص، وقلت لها: اعرِفي أنك بهذا بِعْتِ أهلَكِ، واعتبري أنه ليس لك أهل ولا ميراث، قالت: لا يهم، لا أريدُ أهلي ولا أريد ميراثًا، وهي قاسية جدًّا في مُعاملتِها معي ومع والدتِها، وهي غيرُ رحيمةٍ بوالدتِها المريضة، وكانتْ تتعامَلُ معها بِقَسْوَةٍ وأُسلوبٍ شديد، وهي سبَّبتْ لِجميع أفرادِ أُسْرَتِها كثيرًا من المشاكل والمتاعب وعقَّت والديها. مع العلم بأنَّه قد تمَّ فِعلاً حِرمانُها من الميراث بِكتابةِ كُلِّ ما يَملِكُ أهلُها لإخْوَتِها. وسؤالي في هذه الحالة: هل ارتكبتُ ذنبًا أم لا؟
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فمما لاشك فيه أنَّ الله تعالى قد تولَّى قسمة التركات، ولم يتركْها لأحدٍ من نَبِيٍّ مُرسل ولا مَلَك مقرَّب، فمَن دونَهُما، ثم قال سُبحانَه عُقيب آية المواريث: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13، 14].

فحِرمانُ أحدِ الوَرَثة مِمَّا فرضهُ اللَّه له حيدةٌ عنِ الشَّرعِ وتغييرٌ لِما افْتَرَضَهُ اللَّه تعالى، وقد نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الإِرْثَ جَبْريٌّ؛ فلا يَجوزُ منعُ أحدِ الورثة من حقِّه الذي فرضه اللَّهُ تعالى له في مُحكم كتابِه وعلى لسان رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن وصى بحرمان أحد الورثة من حقه، فوصيَّته باطلةٌ؛ لا سيما إذا كان الحرمان عن طريق البَيْعِ الصُّوري لإخْوَته.

وسبق أن بينا أنَّه يَجِبُ على الأبوين أن يَعْدِلا ويسوِّيا بين الأبناء في العَطِيَّة، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وألا يؤْثِرَا أحدَ الأبناء بالعَطِيَّة على بعض، على الرَّاجح من أقوال أهل العلم، في فتوى بعنوان "مسائل في الميراث". 

إلا أنَّ أكثر الفُقهاء قالوا: إذا كان هناك مبرِّرٌ معقولٌ يُقِرُّه الشَّرْعُ فلا مانِعَ من التفضيل في الهِبة، فالتفضيل مكروهٌ عند الجمهور، والقائل بالتحريم -وهو الإمام أحمد- يُجيزه إذا كان لمعنى معتبر شرعًا بِشَرْط أن يتملَّكَ الأبناءُ تِلْكَ العطايا ولا يكون بيعًا صوريًّا فيؤل إلى وصيَّة باطلة.

قال ابنُ قدامة في "المغني": وإن خصَّ بعضَ أولادِه بعطيَّةٍ لِمَعنًى يقتضي التَّخصيصَ كزِمانةٍ أو كثرةِ عائلتِه أوِ انشغالِه بعلم، أو صَرَفَ عطيَّتَهُ عن بعضِهم لفسْقِه أو بِدْعَته أو لاستعانَتِه بذلك على معصيةٍ جاز ذلك، وقيل: لابُدَّ من التسوية ويُمنع التفضيل، والأوَّل أصحُّ".

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: إذا خصَّ أحدَهُما بسَبَبٍ شرْعي؛ مثل أن يكونَ مُحتاجًا مُطيعًا لله والآخَرُ غنِيٌّ عاصٍ يَستعينُ بِالمال على المعصية، فإذا أعطى مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِإِعْطائِه ومَنَعَ مَن أمَرَ اللَّهُ بِمَنْعِه فقد أحسن". اهـ.

وإن كان البحث عن وسيلةٍ أُخْرَى لتقْوِيم السُّلوك أَوْلَى فيُخْشَى أن يَزيد عقوقُ الابنة من جراء حرمانها مما أخذ إخوانها من هبة.

ولاشك أن هذه الفتاة -نسأل الله لها الهداية- قد ارتكبت إثمًا عظيمًا بعقوقها لوالديها، وزواجها بغير إذن وليِّها وهو زواج باطل لايصح، والله أعلم.