تعظيم المساجد الأثرية مثل مسجد البيعة قرب منى؟

السؤال: من المساجد الأثرية ما يعرف بمسجد البيعة قرب منى، ومن الملاحظ أنه يرتاده بعض الناس للصلاة فيه لاسيما من الحجاج لاعتقادهم فضيلة فيه، مع العلم أنه لا تقام فيه الصلوات الخمس، فهل لهذا المسجد فضيلة؟ وما حكم الصلاة فيه؟
الإجابة: هذا المسجد بني فيما يذكر على المكان الذي بايع فيه الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والنصرة، وتعرف ببيعة العقبة، ولم يكن لهذا المكان ذكر في السيرة بفضيلة، ولم يبن فيه مسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا في خلافة بني أمية، وإنما بني في خلافة بني العباس، قيل: أمر ببنائه أبو جعفر المنصور الخليفة الثاني، وقيل: بني في عهد المتوكل، ثم أعاد بناءه أبو جعفر المنصور المستنصر بالله، وقد علم من منهج الصحابة عدم تعظيم المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا، أو وقع فيها على يد النبي صلى الله عليه وسلم حدث من أحداث السيرة؛ كبيعة الرضوان وبيعة العقبة، يدل لذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أناسا يذهبون ليصلوا عندها، وقد روى عبد الرزاق وغيره عن عمر أنه رأى في بعض أسفاره بين مكة والمدينة قوما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجدٌ صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعا، مَن مرَّ بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض"[1].

وعلى هذا فتحري الصلاة في هذه المواضع بدعة في الدين، وبناء المساجد عليها من أعظم الدواعي لتحري الصلاة وغيرها من العبادات فيها لاعتقاد فضيلة هذه المساجد، وأن العبادة فيها أفضل من غيرها، ومعلوم أنها لا تثبت فضيلة زمان ولا مكان إلا بدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم[2].

فإذا ثبت أنه لا يجوز بناؤها ولا تحري الصلاة فيها فالواجب هدمها، سدا لذريعة الابتداع في الدين، ما لم يترتب على ذلك شر وفتنة، فيقتصر حينئذ على بيان حكم الصلاة فيها، وأن من صلى فيها اتفاقا فلا حرج عليه، ما لم يخش اقتداء الجهال به، وأما تحري الصلاة في هذه المساجد فلا يجوز، لاسيما إن كان ممن يقتدى به، إذ لم تثبت لها فضيلة من كتاب ولا سنة ولا أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم.
----------------------
[1] رواه عبد الرزاق في المصنف (2-118) (2734) وابن أبي شيبة في المصنف (2-376) والطحاوي في مشكل الآثار (14-397) وإسناده صحيح، وصحح الخبر ابن حجر في فتح الباري (1-678) وعزاه ابن كثير في مسند الفاروق (1-142) لإسماعيل بن محمد الصفار في مسنده وقال: "هذا إسناد صحيح".
[2] من كتاب المنتخب من تعليقات الشيخ عبد الرحمن البراك (1-153).
2-8-1431هـ 14-7-2010

المصدر: موقع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك