ترك خطيبته لأن أمها سحرته

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله. لقد آذتني امرأة بالسحر؛ ولذا لي بعض الأسئلة : 1- ما هو حكم السحر في الإسلام؟ وهل لممارسيه توبة؟ 2- ما حكم الزواج بمن تفعل أمها هذا السحر؟ 3- وهل للمسحور ثواب من الله على صبره؟ بالرغم من أني أعاني كثيرا. 4- وما هي السور القرآنية التي تعالج السحر؟ 5- وإذا خرج الرجل عن الإسلام بفعل السحر وليس بإرادته مع العلم أنه بغير إرادته يشك في الله، فهل يحاسبه الله عما كان قبل سحره؟ 6- ماذا نفعل للأخذ بثأرنا؟ 7- وهل أنا ظلمت خطيبتي بتركها لمجرد أني عرفت أن أمها سحرتني؟ 8- وكيف أعرف أني مسحور؟ أو ما زلت مسحورا؟ 9- وهل يفضل أن يعالج المرء نفسه حتى لا يدخل في دائرة الظن أن الشيخ هو الذي يعالجه وليس القرآن؟
الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله تعالى أن يصرف عنك شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، وأن يعيذك من شياطين الإنس والجن، وجواباً على أسئلتك أقول:
أولاً: السحر من كبائر الذنوب ورذائل الأعمال التي يخشى على فاعلها من سوء الخاتمة عياذاً بالله تعالى؛ وقد وردت النصوص المحذرة منه كقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ‌ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُ‌وا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ‌ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُ‌وتَ وَمَارُ‌وتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ﴿البقرة: ١٠٢﴾، وقوله الله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ‌ حَيْثُ أَتَىٰ} ﴿طه: ٦٩﴾، قال القرطبي رحمه الله تعالى: "أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض"، وقيل: "حيث احتال" ا.هـ، وعن ابن عباس €قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" [رواه أبو داود وابن ماجه]، وفي رواية رزين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم كاهن والكاهن ساحر والساحر كافر"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئاً وكل إليه" [رواه النسائي]، قال السيوطي رحمه الله تعالى: "أي فقد أتى بفعل من أفعال المشركين أو لأنه قد يفضي إلى الشرك إذا اعتقد أن له تأثيرا حقيقة"، وقيل: "المراد الشرك الخفي بترك التوكل والاعتماد على الله سبحانه"، وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" [رواه البزار].
يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: "فكان السحر قرين خباثة نفس، وفساد دين، وشر عمل، وإرعاب وتهويل على الناس؛ من أجل ذلك ما فتئت الأديان الحقة تحذر الناس منه وتعد الاشتغال به مروقاً عن طاعة الله تعالى؛ لأنه مبني على اعتقاد تأثير الآلهة والجن المنسوبين إلى الآلهة في عقائد الأقدمين" ا.هـ.
ثانياً: العلماء مجمعون على أن توبة الساحر تنفعه إن كان صادقاً؛ لأن غاية السحر أن يكون كفراً ويكون الساحر كافراً، وقد قال سبحانه: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُ‌وا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ‌ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} ﴿الأنفال: ٣٨﴾، وقد حكى ربنا جل جلاله في غير موضع من القرآن كيف كان سحرة فرعون متحفزين لإبطال الحق الذي جاء به موسى، متشوقين للحصول على جائزة فرعون والقرب منه؛ فلما رأوا الحق ظاهراً وأذعنوا له وقالوا: {قَالُوا آمَنَّا بِرَ‌بِّ الْعَالَمِينَ . رَ‌بِّ مُوسَىٰ وَهَارُ‌ونَ} ﴿الأعراف: 121، ١٢٢﴾، ولم يأبهوا لتهديد فرعون بل قالوا: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَ‌كَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَ‌نَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَ‌بِّنَا لِيَغْفِرَ‌ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَ‌هْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ‌ ۗ وَاللَّـهُ خَيْرٌ‌ وَأَبْقَىٰ} ﴿طه: ٧٢، 73﴾.
فلم يقل أحد من أهل العلم إن الساحر لا تقبل توبته عند الله ولا تنفعه ديانة؛ لأن النصوص الشرعية ناطقة بقبول توبة من تاب أياً كان ذنبه؛ وأما في حكم الدنيا فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الساحر لا تنفعه التوبة قضاء؛ بمعنى أنه لو حوكم فقال: "أنا تائب" فهذه التوبة لا تؤثر في إسقاط العقوبة عنه بل لا بد منها.
ثالثاً: لو كانت مخطوبتك ذات خلق ودين فما ينبغي لك فراقها لكون أمها ساحرة ملعونة؛ إذ لا يؤخذ البريء بالمذنب {وَلَا تَزِرُ‌ وَازِرَ‌ةٌ وِزْرَ‌ أُخْرَ‌ىٰ}، ولو حوسب كل امرئ بما يفعله أبوه أو أمه أو ولده لما سلم أحد حتى بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ فإن بعضهم ابتلي بكون أبيه أو ولده كافراً أو زوجه كافرة، بل {كُلُّ امْرِ‌ئٍ بِمَا كَسَبَ رَ‌هِينٌ} ﴿الطور: ٢١﴾.
رابعاً: المسحور الصابر الراضي بقضاء الله وقدره الساعي في العلاج مأجور على صبره ورضاه، موفق منصور بإذن الله، وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُ‌ونَ أَجْرَ‌هُم بِغَيْرِ‌ حِسَابٍ} ﴿الزمر: ١٠﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن يتصبر يصبره الله".
خامساً: من أتى فعلاً بغير إرادته ولو كان كفرا فإنه لا يؤاخذ به؛ لأن المؤاخذة معلَّقة بالإرادة، قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِ‌هَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ﴿النحل: ١٠٦﴾.
سادساً: لا تفكر في الثأر بل أكثر من ترديد قوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِ‌ي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ‌ بِالْعِبَادِ} ﴿غافر: ٤٤﴾، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فإنه قد أصابه سحر لبيد بن الأعصم اليهودي القميء فلم يثر صلى الله عليه وسلم على الناس شراً، ولم يفكر في الانتقام من ذلك الخبيث مع قدرته على ذلك بل وكل أمره إلى الله تعالى.
سابعاً: لا مانع من اللجوء إلى من يعالجك بالآيات القرآنية والأدعية المأثورة النبوية، وخير من ذلك أن تباشر علاج نفسك بنفسك؛ لأنه لن يخلص لك أحد إخلاصك لنفسك، واستعن بالله ولا تعجز، والسور والآيات تجدها في كتاب "العلاج بالرقى" للشيخ سعيد القحطاني، والله المستعان.