من وعده مسؤول في الدولة بأن يحج معه، هل يسوغ له قبول ذلك؟

السؤال: من وعده مسؤول في الدولة بأن يحج معه، هل يسوغ له قبول ذلك؟
الإجابة: إذا كان ذلك المسؤول من الأغنياء الذين مالهم حلال ومن المعلوم أنه لا يأخذ المال الحرام ولا يختلس من أموال الدولة فوعد الإنسان من غير مسألة ولا استشراف نفس بأن يدفع عنه تكاليف الحج فهذا يوجب عليه الحج لأنه استطاعة، فالاستطاعة بالزاد والراحلة والسبيل السابلة.

وإن كان هذا المسؤول من المعلوم أنه من الذين يأخذون المال الحرام، فيختلس من أموال الدولة ونحو ذلك فلا يجوز تبرعه، لأن الذي يتصرف فيه ليس له، ومثل ذلك من غلب على ماله الحرام فهو مثل من كان ماله جميعاً حرام، وعكسه أيضاً من كان جل ماله حلالاً ولو كان في ماله بعض الحرام فالعبرة بالأكثر، هذا الذي قعَّده أهل العلم في هذه المسألة.

وقد تشدد فيها الإمام الغزالي رحمه الله في باب الحلال والحرام من الإحياء، فقد عقد باباً طويلاً في هذه المسألة في مخالطة من تحل مخالطته ومن تحرم، فذكر أن من جل ماله حرام مخالطته حرام مطلقاً، ومن جل ماله حلال مخالطته حلال على الراجح، ومن يجهل أصل ماله فالأصل الإباحة، ولكن الغزالي تشدد فذكر أن من يأكل الربا مثلاً لا يجوز التعامل معه حتى في المعاوضات تعاملاً غير ربوي، وهذا تشدد ولعله في مذهب الشافعية، فلهم قواعد في هذا الباب تختلف عما للجمهور.

فالراجح التفريق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات، فعقود المعاوضات يجوز لك أن تتعامل حتى مع اليهود، لكن لا يجوز لك الربا معه فقط، إلا عند الحنفية في دار الحرب يجوز لك أن تتعامل معه معاملة غير ربوية، وقد عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم عند ما كانوا من رعايا الدولة الإسلامية وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي عندما كانوا من رعايا الدولة الإسلامية يقدمون الجزية إليها، أما اليهود الغاصبون مثلاً الموجودون في فلسطين فلا يحل التعامل معهم مطلقاً لا بالمعاوضة ولا بالتبرع، لأن كل ما يشجعهم ويزيد أموالهم هو مشاركة في الاعتداء على المسجد الأقصى وأهله، وهو مشاركة في الاعتداء على حرمات المسلمين وتدنيس مقدساتهم، فإذا اليهود الذين تجنسوا بجنسية الدولة العبرية الموجودة الآن في فلسطين لا يجوز التعامل معهم مطلقاً حتى لو كانوا سفراء أو بعثات أجنبية في الخارج لا يجوز استأجار المنازل لهم ولا السيارات ولا العمل معهم بأي وجه من الوجوه، ولا مخالطتهم لا بعقود التبرعات ولا بعقود المعاوضات، وأما اليهود الذين هم في أمريكا أو في فرنسا أو في بريطانيا أو غير ذلك وفي المغرب مثلاً والذين لا يشاركون في إقامة الدولة في فلسطين فهؤلاء يجوز التعاقد معهم بالبيع والشراء منهم ونحو ذلك، لكن لا يجوز للإنسان عقد ربوي معهم، والغزالي في تشدده رأى أن المسلم الذي يتعامل بالربا لا يجوز التعامل معه مطلقاً، وهذا حرج شديد لو أخذ به في زماننا هذا لأنه قل من التجار إلا من رحم الله من ينجوا من الربا، بل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيعم في آخر الزمان فمن لم ينل منه ناله من غباره، وهذا الذي نشهده الآن من انتشار الربا، فلو أخذ بقول الغزالي في هذا الباب لسد ذلك الطريق على كثير من المعاملات وضيق وحجر واسعاً على المسلمين، فلا أرى الأخذ به، لكن إذا كان التعامل نفسه صحيحاً وكان من عقود المعاوضات فيجوز التعامل مع الشخص الذي يتعامل بالربا إذا تعاملت معه تعاملاً غير ربوي، كأن تعاقدت معه فاشتريت منه سيارة عقداً غير ربوي مثلاً وأنت تعلم أنه هو يتعامل مع غيرك بالربا فهذا العقد الراجح فيه الجواز، هذا الذي يبدو لي، والله أعلم.

أما الأخذ منه وهو مُرابٍ آكل للربا الأخذ منه بالتطوع بعقود التبرعات فهذا الذي لا يجوز إلا الشيء اليسير جداً مثل ضيافته إذا نزلت ضيفاً على شخص مرابٍ، فيجوز أن تأكل ضيافته فقط، أما إذا أهدى إليك فلا تأخذ هديته، وقد حصلت قضية في تونس في دولة الحفصيين لبعض علماء المالكية ذكرها العدوي في حاشيته على شرح الخرشي على مختصر خليل فذكر أن الأمير أمير الحفصيين إذ ذاك بتونس دعا أربعة من كبار علماء المالكية إلى طعام، وكان هذا الأمير جائراً ظالماً فلما اجتمعوا عنده وضعت المائدة بين أيدي العلماء فاختلفوا، أما أحد العلماء فقد امتنع من الأكل وقال: بئس الطعام هذا يدعا إليه الأقوياء ويُمنع من الوصول إليه الضعفاء، وذكر أنه ظلم وامتنع من أكله، وآخر امتنع من أكله لكن بحجة، قال: أنا صائم، وأريد ما بقي من الطعام آخذه معي للإفطار في بيتي، فأخذه يريد توزيعه على الفقراء وطلبة العلم، والثالث أخذ فقط ثلاث لقم صغيرة وكف، والرابع أكل كثيراً حتى شبع، فلما خرجوا من عند السلطان سأل كل واحد منهم صاحبه عن فعله، فأما الذي امتنع قال: عرفت أنكم ستداهنون في هذه المسألة ولا بد من إسماع السلطان صوت الحق فصارحته به، وأما الذي قال إني صائم قال: هذا تخليص مستهلك من مال قدرت عليه بحيلة فإذا لم أفعل فسأضمنه للفقراء فيجب علي ضمانه للفقراء لأنه من مالهم، وقد قدرت على استخلاصه من هذا الظالم فإذا لم أفعل فسأضمنه لهم، وأما الذي أكل ثلاث لقم فقط فقال: هذا نصيبي من بيت المال، هذا أقله فأخذت حقي ولم أتجاوزه، وأما الذي أكل كثيراً فقال: هذا المال قد استهلك وهو بيد هذا الظالم وسيستعين به على المعصية فأردت أن أضايقه فيه وآخذ منه أكبر ما أستطيع حتى لا يستطيع التقوي به على الظلم فكل واحد من الفقهاء أتى بمخرج لفعله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.