حكم تقدم رمضان بالصيام

السؤال: يسأل رجل عن حكم تقدم الإنسان بالصيام أياما من شعبان قبل رمضان اجتهادا منه في العبادة: هل يجوز أم لا؟ ويقول: إذا قلتم: إن ذلك لا يجوز. فما الحكمة في المنع منه، مع أنه عمل خير وطاعة لله؟
الإجابة: الحمد لله. نلخص لك الجواب مما أورده الحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي في كتابه (لطائف المعارف) (1) قال: في (الصحيحين) (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَقَدّموا رمضان بيوم أو يومين إلا مَنْ كان يصوم صوما فليصمْه"، وفي رواية (3): "إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدُكم".

وحديث أبي هريرة (4) هذا هو المعمول به في هذا الباب عند جماهير العلماء، وأنه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين، لمن ليس له به عادة، ولا سَبَق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره.

ولكراهة التقدم ثلاثة معان:
- أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان، فينهى عن التقدم قبله؛ لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى؛ حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم. وخرّج الطبراني وغيره (5) عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قَبْل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ} (6)؛ ولهذا نهي عن صيام يوم الشك. قال عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم (7).
- والمعنى الثاني: أنه للفصل بين صيام الفرض والنفل. فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع؛ ولهذا حرم صيام يوم العيد. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام. وخصوصا سنة الفجر قبلها، فإنه يُشرع الفصل بينها وبين الفريضة؛ ولهذا يشرع صلاتها في البيت والاضطجاع بعدها. ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر قال له: "آلصبح أربعا؟" (8)، وفي (المسند) (9) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "افصلوا بينها وبين المكتوبة، ولا تجعلوها كصلاة الظهر"، وفي سنن أبي داود (10) أن رجلا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما سلم، قام يَشْفَع، فوثب عليه عمر، فأخذ بمنكبيه فهزه، ثم قال: اجلس؛ فإنه لم يَهْلِك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره. فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب".
- والمعنى الثالث: أنه أمر بذلك للتَّقَوِّي على صيام رمضان؛ فإن مواصلة الصيام قد تُضْعِف عن صيام الفرض. فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التَّقَوِّي على صيام رمضان. فالفطر بنية التقَوِّي لصيام رمضان. حَسَنٌ لمن أضعفه مواصلةُ الصيام، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يَسْرُد الفطر أحيانا، ثم يسرد الصوم؛ ليتقوى بفطره على صومه. ومنه قول بعض الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام؛ ولهذا يقولون: هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيسا. واشتقاقه من الأيام النحسات. ومن قال: هو تنهيس -بالهاء- فهو خطأ منه. ذكره ابن درستويه النحوي. وذكر أن أصل ذلك مُتَلَقًّى من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم. وهذا كله خطأ، وجهل ممن ظنه.

وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات. وهذا هو الخسران المبين. والعياذ بالله من ذلك. انتهى.

___________________________________________

1 - ص (270) ط. دار ابن كثير.
2 - البخاري (1914)، ومسلم (1082).
3 - الترمذي (684) وقال: حسن صحيح.
4 - (اللطائف) ص (273).
5 - (الأوسط) (2713)، ونسبه في (الدر المنثور) أيضا لابن مردويه (7/ 547).
6 - سورة الحجرات: الآية (1).
7 - أبو داود (2334)، والترمذي (686) وقال: حسن صحيح، والنسائي (4/153) وغيرهم.
8 - البخاري (663)، ومسلم (711).
9 - أحمد (5/ 345).
10 - أبو داود (1007).