سؤال عن الجهاد في العراق

السؤال: سمعنا بعض الناس -ومنهم من يُنسب إلى العلم- يقول بعدم جواز الجهاد في العراق، وأنه جهاد غير مشروع، بل ومنهم من يوجب تسليم المقاومين إلى قوات الاحتلال الأمريكي ودلالتهم على المجاهدين، محتجين بأنه لا راية للجهاد هناك، أرجو منكم بيان الحكم الشرعي، وكشف شبهة هؤلاء إن كان قولهم باطلاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد كثر السؤال عما يحدث في العراق وهل هو من الجهاد في سبيل الله أم لا؟

فأقول وبالله التوفيق: إن ما يقوم به المجاهدون الصادقون المخلصون في العراق من مقاتلة أمريكا ومن حالفها، هو من الجهاد في سبيل الله، والجهاد كما نعلم جهاد طلب وجهاد دفع، والجهاد في العراق من جهاد الدفع؛ فبلادهم قد احتُلت من قبل عدو كافر، وقد أجمع العلماء على أنه إذا احتل العدو بلداًً من بلاد المسلمين تعين الجهاد على أهل تلك البلاد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: "فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين، والنفس، والحرمات، واجب إجماعاً"، فما سأل عنه السائل من الجهاد في سبيل الله، قال الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]، بل لا نشك في أن ما يجري هناك من أعظم الجهاد في سبيل الله، إذا صدقت العزائم وخلصت النوايا، وقصد المقاتل إعلاء كلمة الله، والذود عن حرماته وأهله وماله وبلده: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: من الآية246].

وأما القول بأن ما يجري في العراق فتنة وليس من الجهاد في سبيل الله، فهو قول باطل، ودعوى لا تستند إلى دليل علمي أو شرعي أو عقلي، بل هو الفتنة عينها: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: من الآية191]، فليتق الله جل وعلا أولئك الذين يفتون بمثل هذه الفتاوى، ولو أن هؤلاء تأملوا المسألة تأملاً واقعياً، لما وجدوا فرقاً بين ما يحدث في العراق، وبين ما يحدث في فلسطين، أو في الشيشان، أو في أفغانستان.

فعلى المسلمين نصرة إخوانهم في العراق، والنصرة تجب بالمال والدعاء.

أما النصرة بالنفس فإنه بعد بحث المسألة مع عدد من العلماء هنا، ومع إخواننا من علماء العراق، تقرر أن المصلحة لا تقتضيه، وأنهم لا يحتاجون إلى مقاتلين من خارج أرض العراق بل لديهم من الشباب ومن المجاهدين كفاية، ولكن ينقصهم المال والدعاية، كما أنهم يحتاجون نصر قضيتهم بالكلمة وفي وسائل الإعلام، مع إبداء المشورة والرأي، والنصح والتوجيه.

وقد شرح لنا علماؤهم شدة حاجتهم لبناء المساجد والمدارس، وإلى الكتب العلمية، والأشرطة والمطويات الدعوية، وهذا من إظهار الدين، وإعلاء كلمة الله لمن استطاع أن يبذله.

وخلاصة القول أن جهاد إخواننا في العراق مشروع، وأن نصرتهم في حدود المصلحة والاستطاعة حق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (أخرجه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم بسند صحيح، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه).

وأما تسليم المجاهدين إلى قوات الاحتلال، فهو منكر عظيم، وضرب من ضروب إعانة العدو الذي يعد من نواقض الإسلام، ومن التولي الذي نهى الله عنه، كما في قوله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]، ويقول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9].

نسأل الله جل وعلا أن ينصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، أن ينصرهم في العراق وفي الشيشان وفي فلسطين وفي أفغانستان، وفوق كل أرض وتحت كل سماء، وأن يوحّد كلمتهم، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يسدد رأيهم وسهامهم، وأن يخذل عدوهم أينما كانوا، والله المستعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ ناصر العمر على شبكة الإنترنت.