اشتراط المرأة طلاقَ ضَرَّتِهَا

السؤال: سائل يقول: إن رجلا حضر إليه لخطبة ابنته، وكان له زوجة قبلها، قال: فكرهت أن أزوج ابنتي لرجل معه زوجة غيرها، واشترطت عليه طلاق زوجته الأولى، ثم ذكر لي بعض الإخوان أن هذا الشرط لا يحل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه. فنرجوكم إيضاح الجواب والإفادة عن صحة هذا الشرط، وهل ورد فيه نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الإجابة: الحمد لله وحده، اشتراط المرأة طلاق ضرتها -أو اشتراط وليها ذلك- شرط باطل، ولا يحل هذا الشرط عند المحققين من العلماء.

وقد ورد في ذلك جملة أحاديث منها ما ذكره (صاحب المنتقى) بقوله: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لِتَكْتَفِئَ ما في إنائها أو صَحْفَتِهَا (1) (متفق عليه).

قال الشارح في (نيل الأوطار) (2): قال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة؛ فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقاً، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعليه حَمَلَ بعضُهم هذا الحديث.
ومنها ما لا يوفى به اتفاقاً، كسؤال المرأة طلاق أختها. ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله.

وقوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها" ظاهر هذا التحريم، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يوجب الريبة في المرأة، و أنه لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة.

وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح. وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحِلّ صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترضى بما قسم الله لها. والتصريح بنفي الحِلّ وقع في رواية أحمد المذكورة في الباب، ووقع أيضاً في رواية للبخاري.

قوله: "لتكتفئ" بفتح المثناة الأولى وسكون الكاف: من كفأت الإناء إذا قلبتَه، وأفرغت ما فيه.
والمراد بقوله: "ما في صحفتها" ما يحصل لها من الزوج.
قوله: "طلاق أختها"، قال الثوري: معنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلاً طلاق زوجته وأن يتزوجها هي، فَيَصِير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بقوله: "لتكتفئ ما في صحفتها".

والمراد بأختها: غيرها، سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين، وحمل ابن عبدالبر الأخت هنا على الضَّرَّة. انتهى ملخصاً.

وقال في (الفروع) (3): ويصح شرط طلاق ضرتها، في رواية، وذكره جماعة، وقيل: باطل، وقال في (تصحيح الفروع) (4): قوله: ويصح طلاق ضرتها في رواية وذكره جماعة، وقيل: باطل. انتهى.

القول الأول: عليه أكثر الأصحاب. والقول ببطلانه: احتمال في (المقنع)، قال الشيخ الموفق: وهو الصحيح. قال: ولم أر ما قاله أبو الخطاب (لغيره) (5) انتهى. وصححه الناظم وابن رزين في شرحه، وقدمه في (المغني).

قلت: وهو الصحيح من المذهب -على ما اصطلحناه- والصواب والله أعلم.أ.هـ.

قال في (المقنع) (6): وإن شرط لها طلاق ضرتها. فقال أبو الخطاب: هو صحيح، ويحتمل أنه باطل؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها ولتنكح؛ فإن لها ما قدر لها"، قال في (حاشية المقنع) (7) قوله: "لا تسأل المرأة..." إلخ الحديث (رواه البخاري من حديث أبي هريرة)، وصحح المؤلف أن هذا الشرط لا يصح، وقال: لم أر ما قاله أبو الخطاب لغيره، انتهى.

___________________________________________

1 - أخرجه البخاري (2140)، ومسلم (1413) واللفظ له.
2 - (6/143،143).
3 - (5/212).
4 - (تصحيح الفروع) (5/212).
5 - في المطبوع من (تصحيح الفروع): "كغيره" (5/212).
6 - (المقنع) 3/ 45.
7 - (نفس طبعة المقنع) حاشية المقنع (3/45) منقولة من خط الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله وهي غير منسوبة لأحد، والظاهر أنه هو الذي جمعها.