الكلام على الأناشيد الإسلامية

السؤال: ما حكم الأناشيد الإسلامية التي يُستعمل فيها الدف؟
الإجابة: إن النشيد هو من المؤثرات التي تقتضي حزناً في بعض الأحيان وتقتضي سروراً ككل الأصوات المطربة، فالأصوات المطربة إما أن تقتضي حزناً وإما أن تقتضي سروراً، ومثلها أصوات الطيور، ولذلك يقول الشاعر في صوت الحمام:
شجا قلب الخلي فقال غنى وبرح بالشجي فقال ناحا
يقول الآخر:
ألم تسمعي أي دعد في رونق الضحى بكاء حمامات لهن هدير تجاوبن في عيدانة مرجحنة من السدر رواها المصيف غدير فهيجن لي أشواق جمل وإنما يهيج هوى جمل علي يسير
وهذه الأبيات فيها رواية أخرى، وتكون قافيتها على اللام: ألم تسمعي أي دعد في رونق الضحى بكاء حمامات لهن هديل تجاوبن في عيدانة مرجحنة من السدر رواها المصيف مسيل فهيجن لي أشواق جمل وإنما يهيج هوى جمل علي قليل
وهذا الأصوات المؤثرة يختلف حكمها شرعاً باختلاف النصوص الواردة فيها، فما كان فيها من المعازف فهي حرام مطلقاً ولا عبرة بما معها من النشيد.

فكل عزف فهو حرام يحرم الاستماع إليه ويحرم إنتاجه أصلاً، وسواء كان ذلك بالمباشرة أو بالتسجيل، ومثل ذلك المحاكاة إذا كان الكمبيوتر أو البيانو ينتج أصواتاً تُشبه صوت المعازف فهي حرام، لأن العلة المتحققة في المعازف متحققة فيها.

أما ما ليس فيه عزف كالنشيد بدون آلة أصلاً فهذا يختلف حكمه باختلاف مضمونه:

فإن كان المنشَد ثناء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وتحفيزاً للهمم فهذا من السنة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمعه ويشارك فيه، وفي صحيح البخاري أنه كان ينشد مع أصحابه:
تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا إن ألاء قد بغوا علينا إن يطلبونا خطة أبينا
ويمد بها صوته، وفي رواية ويرفع بها صوته، وكذلك كان يقول في بناء المسجد: هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أعز ربنا وأطهر
وكان ينشد في حفر الخندق:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار وللمهاجرة
وكان أصحابه ينشدون بين يديه:
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
فهذا النوع هو من السنة، وبالأخص في الأسفار وفي العمل، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنجشة أن ينشد ليحرك الإبل في حجة الوداع، فلما أنشد وحرك الإبل قال: "رفقاً بالقوارير يا أنجشة"، "رفقا بالقوارير" أي بقلوب النساء يا أنجشة، فهن يتأثرن بذلك، وكذلك لما سمع نشيد عامر بن الأكوع يوم خيبر وهو يحرك الإبل قال: "من هذا غفر الله له؟" فقال عمر: ألا أمتعتنا به يا رسول الله؟ وهم يعرفون أنه إذا قال في غزوة لإنسانٍ غفر الله له فمعنى ذلك أنه سيلقى الشهادة في سبيل الله، فاستشهد عامر بن الأكوع في تلك الغزوة.

وإذا كان المضمون سيئاً قبيحاً كالهجاء المصرح بالمهجوين، أو كان غزلاً مصرحاً أيضاً أو نحو ذلك فهذا مذموم شرعاً لا يحل سماعه مطلقاً ولا إنتاجه أيضاً.

وإذا كان كلاماً متوسطاً لا هذا ولا هذا، كذكر الأماكن والبقاع ونحو ذلك فهذا النوع هو مما يتسلى به فإن كان إنشاده من غير آلة مطربة أصلاً كما إذا أنشد منشد قول البحتري:
صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدى كل جبس وتماسكت حين زعزعني الدهـ ـر ابتغاء منه لتعسي ونكسي أتسلى عن الخطوب وآسى بمحل من آل ساسان درسي أذكرتنيهم الخطوب التوالي ولقد تذكر الخطوب وتنسي وإذا ما رأيت صورت أنطا وان يزجي الزحوف تحت الدرفس والمنايا حواضر وأنوشر وان يزجي الزحوف تحت الدرفس
إلى آخره فهذا النوع لا حرج فيه وهو من الأمور الجائزة، لكن على الإنسان أن لا يُكثر منه، فإنه إذا تعود على ذلك دعاه هذا لمجاوزته.

أما ما كان بآلة غير عزف، كما إذا كان مع الدف فهو من الأمور التي أذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراس، كما في حديث أبي مسعود البدري في سنن أبي داود بإسناد صحيح، وعلى هذا فالدف مأذون فيه في الأعراس، ويجوز سماعه للرجال والنساء، ولكن لا يجوز إنشاد النساء عليه، فالنساء إنشادهن عورة، لا يسمعه الرجال إلا محارمهن، والرجال إنشادهم ليس بعورة فيجوز للنساء سماع نشيد الرجال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن أنجشة أنشد بين يديه بحضرة النساء، وقال: "رفقاً بالقوارير يا أنجشة".

واختُلف فيما عدا الأعراس هل تلحق بالأعراس قياساً أو لا؟ فالذين يتوسعون في القياس يرون إلحاق المناسبات سواءٌ كانت سارة كما إذا انتصر الإسلام في مصر من الأمصار أو فتحت مدينة من مدن الإسلام أو نحو ذلك، وكذلك المناسبات أيضاً الأخرى كتحفيز الهمم كما إذا هاجم اليهود مدينة من مدن فلسطين مثلاً فكان هذا تحميساً للناس للجهاد في سبيل الله ومساعدة المنكوبين من المسلمين فهذا النوع أجازه بعض أهل العلم، ودليلهم القياس على الأعراس فالمناسبة مشتركة، ولا يمكن أن يمنع أحد ذلك لأنه لا دليل يخالف هذا القياس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.