كيلوا طعامكم يُبَارَكْ لكم فيه

السؤال: سائل يسأل عن الأثر المروي في كيل الطعام لتحصل فيه البركة: هل هو حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما لفظه، ومن رواه، وما معناه؟
الإجابة: قال الشيخ إسماعيل العجلوني في (كشف الخفاء) (1): "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه" (2): رواه أحمد والطبراني عن أبي الدرداء، والقضاعي (3) عن أبي أيوب كلاهما مرفوعاً، ورواه البزار (4) عن أبي الدرداء بلفظ: "قوتوا"، وسنده ضعيف. وكذا أورده في النهاية: "قوتوا"، وحكى عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة. وقال غيره: هو مثل: "كيلوا"، وحكاه البزار عن بعض أهل العلم. وقد أشار إلى ذلك في (فتح الباري) (4/346) (5) في البيوع. انتهى.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في (الفتاوى السعدية) (6) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه" (7)، أصح ما قيل فيه، وفي معناه: أنه الطعام الذي يخرجه صاحب البيت على عائلته، وهو الذي يدل عليه، وهو المناسب للمعنى. وهذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم أصل كبير، وقاعدة أساسية، وميزان لما دلت عليه الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}، (8) فمعنى كيلوا طعامكم: أي قدروه بمقدار كفاية المنفَقِ عليهم من غير زيادة ولا نقصان؛ فإن في ذلك سلوكاً لطريق الاقتصاد والحزم والعقل.

والبركة المعقولة في هذا من وجوه:
▪ أولاً: امتثال أمر الشارع، الذي هو بركة وخير وسعادة وصلاح.
▪ ثانياً: لأن في الكيل المذكور، يَخْرُج المنفِقُ من خلقين ذميمين، وهما:
التقتير والتقصير في النفقات الواجبة والمستحبة، وإذا حصل التقصير؛ اشتغلت الذمم بالحقوق الواجبة، والمآثم الحاضرة، ولم يقع الإحسان والإنفاق موقعه، بل لا يصير له في هذه الحالة موقع أصلاً، فيقع الذم موقع الحمد، والتضجر والتسخط بدل الشكر والدعاء والثناء. والخلق الثاني: التبذير والإسراف؛ فإن هذا خلق ينافي الحكمة، وهو من أخلاق الجاهلية، وما أسرع ما يؤدي هذا الخلق بصاحبه إلى القلة والذلة، فإذا سَلِمَ من هذين الخلقين اتصف بخلق الحكمة والعدل والقوام، الذي هو أصل الخير ومداد الصلاح.
▪ ثالثاً: إن في سلوك هذا الطريق النافع السالم من التقصير والتبذير؛ تمريناً للنفس على التوازن والتعادل في كل الأمور. وفي هذا من الخير والبركة ما لا يخفى.
▪ رابعاً: إن النفقات إذا خرجت عن طورها وموضوعها، تفرع عنها الشره والفساد. فإنه إذا لم يَكِل ويُقَدِّر ما يُطْعِمه لمن يعوله: فإما أن يكون أزيد من الكفاية، فالزائد إما أن يأكلوه، وهو عين ضررهم إذا كان زائداً عن الحاجة، فكثير من الأضرار البدنية والآلام إنما تنشأ من زيادة الطعام وإما أن يتلف عليه، وذلك فساد. وقد يوجد الأمران.
وقد يتصدق به بعض الناس، لكن الصدقة في هذه الحال لا يكون لها موقع في حق المعطَى؛ لأنه يعرف أنه لا يُعْطَى إلا ما زهد فيه صاحِبُه، وقد يكون قد اكتفى واستعد لنفسه بطعام؛ ولا في حق المتصدق؛ لأن النية غير تامة؛ لكون الحامل له على الإنفاق خوف تلفه لا الإخلاص المحض.

فإذا سلك الطريق الذي أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الكيل والتقدير بحسب ما يليق بالحال، سلم من هذه الأمور.

فهذا الحديث ينبغي أن يكون أصلاً من أصول التربية المنزلية والنفقات العائلية، وأن يكون عليه المعول. فقد بعث صلى الله عليه وسلم بكل أمر فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، فأخلاقه وإرشاداته وهديه يغني عن كل شيء. والحمد لله على نعمه. انتهى.

___________________________________________

1 - (2/ 136).
2 - الطبراني، وعزاه إليه في (المجمع) (5/ 34)، وقال: وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف لاختلاطه.أ.هـ. وليس هو عند أحمد من رواية أبي الدرداء، وراجع (المقاصد) (851).
3 - (الطبراني الكبير) (4/ 121)، وأحمد (5/ 414)، وابن ماجه (2232)، والقضاعي (697).
4 -(كشف الأستار) (2876)، وقال في (المجمع) (5/35): رواه البزار والطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.أ.هـ.
5 - (فتح الباري) (4/346).
6 - (7/ 426، 427).
7 - البخاري (2128)، وأحمد (4/ 131).
8 - سورة الفرقان: الآية (67).