شرح حديث تحويل القبلة عن ابن عمر رضي الله عنهما

السؤال: ما هو شرح حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: "بينما الناس في قباء في صلاة الصبح إذ الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" (أخرجه البخاري: كتاب القبلة، باب ما جاء في القبلة، ومسلم: كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة).
الإجابة: ولهه: بينما الناس في قباء "قباء" مكان معروف عند المدينة فيه المسجد الذي قال الله فيه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [سورة التوبة: الآية 108].

كان الناس يصلون فيه صلاة الصبح فجاءهم رجل خارج من المدينة وقال لهم: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". "وجوههم إلى الشام": فإذا كانت وجوههم إلى الشام صارت ظهورهم إلى الكعبة "فاستداروا إلى الكعبة"، أي: صارت وجوههم إلى الكعبة، وظهورهم إلى الشام، وصار إمامهم في موضع المأمومين منهم يعني حتى الإمام تنحى عن مكانه، أو المأمومين تنحوا عن أمكنتهم، أو الجميع تنحى عن مكانه.

في هذا الحديث دليل على مسألتين:
الأولى: وهي من أهم ما دل عليه الحديث أن القرآن كلام الله عز وجل تكلم به حقيقة يؤخذ ذلك من: "أنزل عليه الليلة قرآن" والنزول لا يكون إلا من أعلى والله تعالى فوق كل شيء.

الثانية: إثبات علو الله ويؤخذ من قوله: "أنزل عليه الليلة قرآن" فالنزول لا يكون إلا من أعلى.

الثالثة: أن القرآن يتحدد نزوله: "الليلة" يعني لا فيما مضى فيكون دليلاً على أن القرآن يتحدد نزوله، والقرآن نفسه دل على أن الله يتكلم بالقرآن بعد وقوع الحوادث قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي} [سورة المجادلة: الآية 1] قال: {قد سمع} وسمع فعل ماض يدل على أن هذا الخبر بعد وقوع المخبر عنه، والآيات في هذا كثيرة.

الرابعة: قبول خبر الواحد، لأن الصحابة تحولوا بخير الصحابي وهو وجل واحد، ولكن العلماء يقولون هذا في الأمور الدينية فالأخبار الدينية يكفي فيها رجل واحد، فإذا قال لك إنسان قد غربت الشمس وهو ثقة فخذ بخبره وأفطر إذا كنت صائماً وصل المغرب، لأن خبر الواحد في الأمور الدينية مقبول.

الخامسة: دقة تعبير الصحابة رضى الله عنهم ويؤخذ من قوله: "وقد أمر أن يستقبل الكعبة" لو قال ( أمر أن يستقبل القبلة ) لقالوا نحن على قبلة فلم يحصل التحديد فلما قال: "أن يستقبل الكعبة" صار هذا أدق مما لو قال القبلة.
ونحن الآن نقول في عبارتنا وكتبنا استقبال القبلة، ولا نقول استقبال الكعبة، لأن القبلة الآن تقررت وتحددت بأنها الاتجاه إلى الكعبة.

السادسة: جواز الحركة لمصلحة الصلاة، وتؤخذ من كون الصحابة تحركوا وصار أقدمهم آخرهم، هي حركة واجبة، لأنه لابد من استقبال القبلة.

وتنقسم الحركات في الصلاة إلى خمسة أقسام:
1 - واجبة.
2 - مستحبة.
3 - محرمة.
4 - مكروهة.
5 - مباحة.
فتكون الحركة واجبة: إذا توقف عليها فعل واجب، أو اجتناب محرم مثل المسألة التي معنا وهي إذا أخبر الإنسان بأن القبلة عن يمينه مثلاً فحينئذ يجب أن يتحرك ليكون مستقبل القبلة.
ومثل إذا وصف الإنسان وحده خلف الصف ثم تبين أن في الصف فرجه، فالحركة هنا واجبة من أجل أن يدخل في الصف.
كذلك إذا توقف عليها اجتناب محرم صارت واجبة، مثل رجل وهو يصلي رأي في غترته نجاسة، هنا يجب أن يتحرك لإلقاء الغترة التي فيها النجاسة، ومن ذلك الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه وهو يصلي بالناس فاخبره أن في نعليه قذراً فخلع نعليه، فهذا الخلع واجب.

وتكون الحركة مستحبة: إذا توقف عليها فعل مستحب، مثال ذلك أقام الجماعة ثلاثة رجال فوقف رجلان أحدهما عن يمين الإمام، والثاني عن شماله فهنا يدفعهما الإمام ليكونا خلفه فهذا الدفع مستحب، لأن تقدم الإمام مع الاثنين، وما زاد سنة وليس بواجب، أن يتوقف على الحركة المستحبة اجتناب مكروه مثل الإنسان أمامه شيء مشغل له كالنقوش مثلاً فهنا نقول: يستحب لك أن تزيل هذا المشغل لأنك بإزالته تتخلص من مكروه، ومن ذلك أيضاً لو أصيب الإنسان بحكة وشغلته فيستحب أن يحكها لترد وهذا يقع كثيراً.

وتكون الحركة حراماً: إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة، فهنا ثلاث قيود: إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة.
والكثرة: قال بعض العلماء: تكون بثلاث حركات، فإذا تحرك المصلي ثلاث حركات متوالية لغير ضرورة فهذه حركة كثيرة تبطل الصلاة، وقال بعض العلماء ليس لنا أن نحدد، لأن التحديد أمر توقيفي يحتاج إلى دليل، ولكن الحركة الكثيرة ما عده الناس كثيراً، بحيث إذا شوهد المصلي شوهد وكأنه لا يصلي لكثرة حركته.
المتوالية: يعني التي يلي بعضها بعضاً.
لغير ضرورة:احترازاً من الضرورة. مثال هذا الرجل نراه يتحرك كثيراً مرة يصلح الثوب، ومرة يصلح الطاقية، ومرة يخرج القلم، ومرة يكتب ما تفطن له في الصلاة فهذه حركة كثيرة متوالية لغير ضرورة.
وإذا كان الإنسان يصلي فسمع جلبة وراءه فإذا هي سبع يرد أن يأكله فهرب وهو يصلي، فهذه حركة كثيرة لكنها لضرورة ولذلكم لا تبطل صلاته.

الحركة المكروهة: هي الحركة اليسيرة لغير حاجة ولا ضرورة، وما أكثرها عند الناس اليوم إلى حد أنني رأيت بعض الناس ينظر في الساعة وهو يصلي لأنه حريص على ضبط وقته ويخشى أن تزيد الصلاة دقيقة واحدة، أو لأنه عابث وهذا هو الظاهر لأنه عابث، وإلا فتجد الرجل يضيع أوقاتاً لا نهاية لها لكن الشيطان يأمر الإنسان بأن يتحرك في صلاته.

الحركة المباحة: هي الحركة اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة لضرورة. هذه حركة البدن.

وبقي علينا حركة أخرى هي لب الصلاة وهي:
حركة القلب: القلب إذا كان متجهاً إلى الله عز وجل، ويشعر المصلي بأنه بين يدي الله، ويشعر بأنه بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسه، وعنده رغبة صادقة في التقرب إلى الله بهذه الصلاة، وعنده خوف من الله فسوف يكون قلبه حاضراً خاشعاً لله، وهذا أكمل ما يكون، أما إذا كان على خلاف ذلك فسوف يجول قلبه، وتجول القلب حركة مخلة جاء في الحديث: "إن الرجل ينصرف من صلاته ما كتب له إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها، أن أقل من ذلك" (أخرجه الإمام أحمد 4/264، 319، 321، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب فيما جاء في نقصان الصلاة ( 796 )، والنسائي في " الكبرى ": كتاب السهو / باب في نقصان الصلاة ( 611، 612 )).
فحركة القلب مخلة بالصلاة لكن هل هي مخلة بصحتها بمعنى أن الإنسان إذا كثرت هواجيسه في صلاته بطلت؟
الجواب: لا، لأن من نعمة الله علينا ولله الحمد أن ما حدث الإنسان به نفسه لا يؤاخذ به، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب تجاوز الله عن حديث النفس).. فحديث النفس لا يبطل الصلاة لكنه ينقص الصلاة ويخل بكمالها.

المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة.
نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين) وهذا التعبير يحتاج إلى فهم إذا قلنا ثالث الحرمين فإنه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ من أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها وكفى به شرفاً أن تشد الرحال إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الثاني - باب استقبال القبلة.