إخبار الطبيب الخاطب عن مرض المخطوبة

السؤال: إنه يريد أن يتقدم لخطبة فتاة، وقد علم أنها مريضة بمرض في القلب، فذهب إلى الطبيب الذي يعالجها وسأله عن مرض الفتاة فرفض الطبيب أن يخبره بأي شيء يتعلق بمرض الفتاة، وأخبره أن ذلك من الأسرار المتعلقة بالمريض، ولا يجوز للطبيب أن يبوح بها، فما قولكم في هذه القضية؟
الإجابة: لا شك أن من واجبات الطبيب أن يكتم أسرار المريض فلا يبوح بها إلا في حالات خاصة، سأذكرها فيما بعد.

وكتمان الأسرار أمر مطلوب شرعاً في كثير من شؤون الحياة، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، أو تفضي إليه، ثم ينشر سرها" (رواه مسلم)، وعن أنس بن مالك قال: أتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله في حاجة، قالت: ما حاجته؟ قال: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله أحداً (رواه مسلم)، فانظر رعاك الله، إلى هذا الموقف العظيم من هذا الغلام وأمه في المحافظة على سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكشف الأسرار يلحق الأذى والضرر بالناس، وهو من خيانة الأمانة، والمطلوب من الطبيب أن يكتم أسرار المريض، لأن المريض غالباً ما يبوح للطبيب المعالج بأسراره، فالأصل هو الكتمان.

. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بقضية السر في مهنة الطب ما يلي:

1 - أ. السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان، إذا كان العرف يقضي بكتمانه كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس.
ب. السر أمانة لدى من استودع حفظه، التزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل.
ج. الأصل حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مقتضٍ معتبر موجب للمؤاخذة شرعاً.
د. يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.

2 - تستثنى من وجوب كتمان السر، حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة إلى صاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة الكتمان، وهذه الحالات على ضربين:
أ. حالات يجب فيها إفشاء السر بناءً على قاعدة ارتكاب أهون الضررين، لتفويت أشدهما وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام، إذا تعين ذلك لدرئه، وهذه الحالات نوعان:
- ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.
- وما فيه درء مفسدة عن الفرد.
ب. حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:
- جلب مصلحة للمجتمع.
- أو درء مفسدة عامة.
وهذه الحالات يجب الإلتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
ج. الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه، ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيرها من الأنظمة موضحة ومنصوصاً عليها، على سبيل الحصر مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.

3 - يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية، بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والاهتمام به، وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع، ووضع المقررات المتعلقة به والاستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع (مجلة المجمع الفقهي 8/3/409 - 410).

. وبناءً على ما سبق، أنصح السائل أن يتوجه لأهل تلك الفتاة التي يريد خطبتها ويعلمهم أنه يريد خطبة ابنتهم، وأنه علم أنها مريضة بالقلب ويريد أن يعرف عن مرضها من الطبيب المعالج، ويكون ذلك برفقة واحد من أهلها فيخبره الطبيب حينئذ بحقيقة مرضها، وهو مطمئن أنه لا يكشف سراً.

وأما ذهابه إلى الطبيب مباشرة ليسأله عن المريضة فهو غير مقبول، لأن بعض الناس قد يستغل مثل هذه الحالات في أمور لا تحمد عقباها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.