البيع والإشهار في المسجد

السؤال: هل يجوز البيع أو الإشهار داخل المسجد مع استفادة المسجد من ذلك؟
الإجابة: الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالبيع والشراء في المسجد قد ورد النهي عنه في عدة أحاديث، منها: ما رواه الترمذي، وأبو داود، وغيرهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار".
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك".


وذهب جماهير أهل العلم إلى كراهة البيع والشراء في المسجد، وبعضهم ذهب إلى تحريمه سواءً كانت السلعة حاضرة أو غائبة موصوفة مع اتفاق الجميع على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه؛ قال الشوكاني في "نيل الأوطار": "أما البيع والشراء - أي في المسجد - فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة"، قال العراقي: "وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه"، وهكذا قال المارودي، وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم، وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم؛ فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة.
- وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد؛ والأحاديث ترد عليه.
- وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر فيكره، أو يقل فلا كراهة، وهو فرق لا دليل عليه.
- أما عند الحنابلة: فقد قال المرداوي في الإنصاف: "لا يجوز البيع والشراء للمعتكف في المسجد وغيره، على الصحيح من المذهب، نص عليه في رواية حنبل، وجزم به القاضي وابنه أبو الحسين وغيره، وصاحب الوسيلة والإيضاح والشرح هنا، وابن تميم، وقدمه في الفروع والرعاية الكبرى وغيرهما". اهـ.


الراجح عندنا ما ذهب أحمد، وهو: عدم جواز البيع والشراء في المسجد، حتى لو أعطي المسجد مالاً نظير ذلك.

وعليه: فينبغي على المسلم الابتعاد عن البيع والشراء في المسجد؛ لأن المساجد لم تبن لهذا وإنما بنيت لعبادة الله تعالى.
وفي موطأ مالك: أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد؛ دعاه فسأله: ما معك وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال: عليك بسوق الدنيا؛ وإنما هذا سوق الآخرة.
وفيه أن عمر بن الخطاب بنى رحبة من ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: "من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعراً، أو يرفع صوتاً؛ فليخرج إلى هذه الرحبة".


أما الإشهار: فإن الظاهر من السؤال أن السائل يقصد به إشهار عقد النكاح داخل المسجد، فإن كان الأمر كذلك فعقد النكاح في المسجد مستحب عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وذهب المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه جائز فقط؛ قال الكمال بن الهمام - الحنفي - في فتح القدير: "ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد; لأنه عبادة، وكذا في يوم الجمعة"، واختلفوا في كراهة الزفاف والمختار لا يكره إذا لم يشتمل على مفسدة دينية، وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف".
- وصرح البلخي في "الفتاوى الهندية"، وابن عابدين في "رد المحتار" - الحنفيان - باستحباب مباشرة عقد النكاح في المساجد.
- وقال الحطاب - المالكي - في "مواهب الجليل": "وأما العقد في المسجد فعدَّه المصنف وغيره من الجائزات، فقال في باب موات الأرض: وجاز بمسجد سكنى رجل تجرد للعبادة وعقد نكاح".
- وقال الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج": "ويسن أن يتزوج في شوال، وأن يدخل فيه، وأن يعقد في المسجد".
- وقال البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع عن متن الإقناع": "ويباح فيه عقد النكاح، بل يستحب كما ذكره بعض الأصحاب".
- في "الآداب الشرعية" لابن مفلح - الحنبلي -: "وقال في الرعاية وغيرها: ويباح عقد النكاح فيه - المسجد".


والراجح والله أعلم أن عقد النكاح في المسجد جائز فقط، وأما الاستحباب فيحتاج إلى دليل، وحديث عائشة الذي ذكره ابن الهمام "واجعلوه في المساجد" ضعيف، ولو صحَّ لكان نصًّا في الباب، علمًا بأن الشوكاني في "السيل الجرار" ذهب إلى المنع؛ حيث قال: "إن انتهض حديث: "واجعلوه في المساجد" للحجية فأقل أحوال هذا الأمر الندب، وإلا فالمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فلا يجوز فيها غير ذلك إلا بدليل يخصص هذا العموم؛ كما وقع من لعب الحبشة بحرابهم في مسجده".

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.