زهرة الدنيا وفتنتها

السؤال: "إن أخوف ما أخافه عليكم ما ستجدون بعدي من زهرة الدنيا"، بعضه غير واضحٍ لنا، يحتاج إلى الشرح؟
الإجابة: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخافه عليكم" أي على هذه الأمة: "ما ستجدونه بعدي من زهرة الدنيا"، فإنها لم تُفتح في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أكرمه الله بأن لم يريه فتح الأمصار أراه ذلك وأعطاه إياه، أعطاه مفاتيح خزائن كسرى وقيصر، وأخبر أن خزائنهما ستنفق في سبيل الله، لكن أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لم يرَ ذلك ولم ير الحضارة، ولم يرَ انفتاح أبواب الدنيا على هذه الأمة، فشرَّفه الله عن ذلك، فهو أكرم على الله من أن يعيش كما يعيش الناس في هذه الدنيا، ولهذا شرفه الله فلم تفتح هذه الفتوحات الخزائن التي وهبه الله إلا بعد موته.

."إن أخوف ما أخاف عليكم ما ستجدون بعدي من زهرة الدنيا فإنها خضرة حلوة" أي هذه الدنيا بمثابة النبات، فهي خضرة حلوة، فهذا داعٍ للازدياد منها، والإنسان الذي يجمع المال إذا غفل عن هدفه، هدفه في البداية يريد الاستغناء عن الخلق، يريد أن يستعف بما يوتيه الله، يريد أن يتقرب إلى الله بما يتصدق به من ماله وما يؤدي به الحقوق، يريد أن يتعزز ولا يكون ذليلاً ومسكيناً، لكنه يغفل عن هذا فيجمع ما يكفيه لتحقيق هذه الأهداف ولا يزال يزيد على ذلك، ومنهومان لا يشبعان: طالب الدنيا، وطالب العلم، فطالب العلم لا يزداد من الله إلا قرباً، وطالب الدنيا لا يزداد من الله إلا بُعداً.

ومن هنا قال: "فإنها خضرة حلوة وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" إن مما ينبت الربيع: أي مما ينبت بسبب نزول المطر ما يقتل حبطاً أي انتفاخا، يقتل البهائم بالانتفاخ، "أو يلم" أي يقارب ذلك.

"إلا آكلة الحضر" وهو نباتٌ ليس أعز النبات على الحيوانات البهيمية، ولكنه مع ذلك كافٍ من ناحية التغذية، فلهذا قال: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم".

"إلا آكلة الخضر فإنها رتعت" أي أكلت من الخضر، حتى إذا امتدت خاصرتاها، ونالت كفايتها وتحققت أهدافها كفَّت: "إذا امتددت خاصرتها" استقبلت عين الشمس فثلطت أي أخرجت بعض ما في بطنها، وبالت ثم رتعت بعد ذلك.

وهكذا طالب الدنيا ينبغي أن يجعل لنفسه وقتاً للراحة من الجم، وأن لا يجعل عمره كله كداً لا ينقطع، إذا كانت العبادة التي يُتقرب بها إلى الله ينبغي للإنسان أن لا ينقطع فيها في ليله ونهاره وأن يسرف فيها، فكيف يجمع المال في الدنيا؟!!! يقول البخاري في الصحيح:

حدثنا عبد السلام ابن مطهر قال حدثنا عمر ابن علي قال حدثنا معن ابن محمد الغفاري عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"، وكذلك قال: "إن المنبَتَّ لا أرضاً قَطَعَ ولا ظهراً أبقى"، وقال: "إن الدين يسر فأوغلوا فيه برفق"، فإذا كان الأمر كذلك فالدنيا من باب أولى، الذي أمر أن لا يوغل في الدين بشدة فمعناه أنه إيغاله بشدة في الدنيا أيضاً محذور وهو أشد من غيره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.