إذا تعارضت الفتاوى على المستفتي

السؤال: إذا تعارضت الفتاوى على المستفتي بأي الفتوتين يعمل؟ أبذات التشديد أم بذات التخفيف؟
الإجابة: هذه المسألة محل خلاف بين الأصوليين:

فمنهم من قال: لا يحل له أصلاً، إذا أفتي بثبتٍ فاقتنع بصدق المفتي وأنه هذا الذي أداه إليه اجتهاده لا يحل له أن يستفتي آخر لئلاً يقع في التعارض. فإن فعل أو لم يقتنع بفتوى الأول فأفتي بفتوى مخالفة لها فحينئذ يكون كمن تعارض عليه نصان: يسعى أولاً للجمع ثم للترجيح، والترجيح إما بالدليل وإما بفتوى شخص آخر، يسأل ثالثاً يرجِّح له منهما.

فإن لم يجد ذلك وتعذر عليه، فقيل: يأخذ بالأشد لأنه الاحتياط للدين، وقيل يأخذ بالأسهل لقول الله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}، ولأن هذه الديانة هي التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة".

بالنسبة لتبني دولة من الدول لمذهب معين ليس معناه أن عمل الناس سيكون موافقاً لذلك المذهب، بل المقصود أن القضاء سيكون على وفقه والإفتاء العام في الأمور العامة سيكون على وفقه، أما الأفراد فيعملون على مقتضى ما ترجَّح لديهم، ولا يحل لهم ترك الراجح لأن الدولة تبنت مذهباً من المذاهب، ولم يقع هذا في أي عصر من العصور الماضية في أيام بني العباس عندما أخذوا مذهب أبي حنيفة في القضاء ليس معناه أن الناس تركوا مذاهبهم وذهبوا إلى مذهب أبي يوسف، كذلك في دولة العثمانيين مثلاً التي اعتمدت المذهب الحنفي ليس معناه أنها فرضت المذهب الحنفي على الناس في سلوكياتهم وأعمالهم، بل فقط فيما يقضي به القاضي فقط، هذا المقصود لو خالف ذلك القاضي باجتهاد وعمل بما ترجح لديه فحكم به فإن كان قد التزم أن لا يحكم إلا بمقتضى المذهب الفلاني في أصل توليته فيعتبر معزولاً عن ذلك إلا إذا رضي به الخصمان، فيكون كالمحكم، ومع هذا فإن حكم به فإن حكمه نافذ لأنه يرفع الخلاف بالنسبة للدعوة اللامذهبية أو دعوة التنكر للمذاهب هذي محدثة ولم تكن في العصور السابقة، فلم ينكر أحد من الذين عاصروا أتباع التابعين عندما قامت المذاهب وجود المذاهب فلم ينكر ذلك أي أحد من علماء المسلمين، ولا يمكن إنكاره أصلاً لأن الله جعل من الأمة أقواماً لا يستطيعون التفهم في الدليل مباشرة، ولا يستطيعون الجمع بين الأدلة المتعارضة، ولا يميزون بين الناسخ والمنسوخ، وهؤلاء لابد أن يرجعوا إلى أهل الذكر كما قال الله تعالى: {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ورجوعهم إلى أهل الذكر هو السؤال عن مذهبهم لأن المذهب معناه طريقة في التعامل مع النصوص يسلكها المجتهد الذي هو أهلٌ لذلك.

وبالنسبة لما نسمعه اليوم من الثورة على المذاهب، وإذا سأل أحد طلبة العلم أو أنصاف المتعلمين عن مذهبه قال: "أنا مذهبي الكتاب والسنة ولا أعترف بالمذاهب" هذه بمثابة آراء الخوارج التي كانت في الزمان الأول، وإن كان الخوارج لا ينكرون التمذه!!ب هؤلاء زادوا عليهم في الخروج!! خرجوا أكثر من خروج الخوارج، ولذلك فالبديل عن هذا إذا سؤل لا يمكن أن يجده لأنه هو لا يستطيع استنباط أحكام الوضوء ولا أحكام غسل الجنابة ولا غيرها من النصوص مباشرة، ولا يعرف الفرق بين العام والخاص والمطلق والمقيد، ولو سئل عن ذلك لما استطاع أن يميزه، ومع هذا فإن كثيراً من هؤلاء الذين يدَّعون هذه الدعوى لا يمسكون ألسنتهم فأي فرع سُئلوا عنه لابد أن يفتوا فيه بوجهة نظر قد تكون أبعد شيء عن الحق ومعارضة للنصوص!!! وقد تكون من أسوأ ما يكون من الفهم في النصوص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.