تكفير جميع المجتمعات غير صحيح، ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله

لقد تعرفت خلال دراستي الجامعية بجامعة الخرطوم على فتاة تقول: إن المجتمعات الآن كلها مجتمعات جاهلية، أي كافرة، وتستدل بالآتي: إن هذه المجتمعات تحكم بغير ما أنزل الله، وقد قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون
لا شك أن هذا الإطلاق من هذه الفتاة ليس بصحيح، فليست المجتمعات كلها جاهلية بل فيها -بحمد الله- من أهل الخير والعلم والصلاح والاستقامة ما فيها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فالطائفة موجودة والحمد لله، وموجودة بكثرة في محلات كثيرة، فلا يجوز أن يقال: جميع المجتمعات في الشرق والغرب جاهلية وليس فيها إسلام، هذا غلط ومنكر، نعم الأغلب جاهلية، الأكثر والأغلب جاهلية على خلاف الشرع، لكن يوجد -بحمد لله- طائفة منصورة يوجد من هو على الحق، وإن كانوا لا يحصرون في مكان معين، لكنهم -بحمد لله- موجودون، وإن خلا منهم بعض الأمكنة وبعض البلاد لكنهم -بحمد لله- في دول كثيرة وفي بلدان كثيرة، ولا سيما -بحمد الله- في هذا العصر في أول هذا القرن وآخر القرن الماضي، فقد اتسعت الدعوة إلى الله وكثرة الدعاة إلى الله ونشط الشباب الإسلامي في كل مكان إلا ما شاء الله في الدعوة إلى الله والترغيب في الخير والدلالة على الخير، والعناية بالقرآن والسنة، فالإطلاق هذا الذي قالته الفتاة غير صحيح، وعليها التوبة إلى الله من ذلك، والرجوع إليه وأن تخاف الله وتراقبه سبحانه وتعالى، أما وجود التحكيم بغير الشريعة فهذا إثمه على من فعل ذلك ورضي به، أما من كرهه ولم يرضَ به فليس عليه إثم منه، الله يقول: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، ومن حكَّم غير الشريعة من الدول وأعوانهم ورضوا بذلك فهم الآثمون، أما من لم يرض بهذا من الرعية من رجال ونساء في أي بلد فليس مأخوذاً بعمل غيره ولا آثماً بعمل غيره، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يجني الجاني إلا على نفسه) وهذا معنى قوله سبحانه: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، فالواجب التثبت في الأمور وعدم إطلاق الأحكام جزافاً على غير بصيرة. ولا ريب أن الحكم بغير ما أنزل الله منكر عظيم ومن أنواع الكفر، كما بينه الله سبحانه وتعالى، وهو من حكم الجاهلية، كما قال سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) (المائدة: من الآية50)، وليس لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله بل هذا منكر عظيم وجريمة شنيعة، أما كونه كفراً مخرجاً من الملة فهذا هو محل التفصيل عند أهل العلم، فمن فعل الحكم بغير ما أنزل الله يستجيزه ويرى أنه لا بأس به، أو يرى أنه مثل حكم الله، أو يرى ما هو أشنع من ذلك أن الشريعة ما تناسب اليوم، أو أن القوانين أنسب منها وأصلح هذه كله كفر أكبر على جميع الأحوال الثلاثة، من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكمه أو مثل حكمه في أي وقت كان أو أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله ولو قال: إن الشريعة أفضل وأحسن، ففي هذا الأحوال الثلاث يكون قائل ذلك كافراً، وهكذا معتقد ذلك، من اعتقد أن حكم غير الله جائز أو مماثل لحكم الله أو أفضل من حكم الله فهو مرتد عند جميع أهل الإسلام، أما من فعل ذلك بغرض من الأغراض ويعلم أنه مخطئ وأنه مجرم ولكن فعل ذلك لغرض لرشوة أو مجاملة قوم أو لأسباب أخرى والله يعلم من قلبه أنه ينكر هذا وأنه يرى أنه باطل وأنه معصية فهذا لا يكفر بذلك يكون عاصياً ويكون كافراً دون كفر وظالماً ظلماً دون ظلم، وفاسقاً فسقاً دون فسق، كما قال ابن عباس -رحمه الله- ومجاهد بن جبر وجماعة آخرون، وهو معروف عند أهل العلم، وإن أطلق من أطلق كفره فمراده كفر دون كفر، أما من اعتقد جواز حكم غير الله ولو قال: إن الشريعة أفضل أو قال إنه مماثل لحكم الله أو قال إنه أفضل من حكم الله ففي هذه الأحوال الثلاثة يكون كافراً، نسأل الله العافية، كما تقدم. وأرشدك في هذا إلى مراجعة تفسير ابن كثير -رحمه الله- وابن جرير والبغوي وغيرهم على آيات المائدة: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وإلى مراجعة كلام ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين وفي الطرق الحكمية، ومراجعة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وفتاواه وغيرها، وهكذا مراجعة كلام أهل العلم في مذهب الشافعي والمالكي والحنفي وغيرهم من أهل العلم حتى تعلمي الحكم الشرعي. ومن أنسب ما يكون في هذا باب (حكم المرتد) فإنهم بينوا فيه كل شيء في جميع المذاهب الأربعة، وفي غيرها من كلام أهل العلم، وأضحوا بالتفصيل الحكم بغير ما أنزل الله، ولعلك بهذا والفتاة التي نقلت عنها لعلها يحصل لها بذلك الطمأنينة والرجوع إلى الحق وترك التعميم الذي يخالف الشرع المطهر، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.