حكم بيع الطعام بجنسه متفاضلاً

بلادنا تنتج الحب، والعملة عندنا بالحبوب لقلة النقود، فإذا جاء وقت البذر اشترينا من التجار الصاع بريال، فإذا جاء وقت الحصاد وصفيت الحبوب، سلمنا للتجار عن كل ريال صاعين مثلاً؛ لأن السعر في وقت الحصاد أرخص منه في وقت البذر، فهل تجوز هذه المعاملة؟[1]
هذه المعاملة فيها خلاف بين العلماء، وقد رأى كثير منهم أنها لا تجوز؛ لأنها وسيلة إلى بيع الحنطة ونحوها بجنسها متفاضلاً ونسيئة، وذلك عين الربا من جهتين: جهة التفاضل، وجهة التأجيل. وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن ذلك جائز، إذا كان البائع والمشتري لم يتواطآ على تسليم الحنطة بدل النقود، ولم يشترطا ذلك عند العقد. هذا هو كلام أهل العلم في هذه المسألة. ومعاملتكم هذه يظهر منها التواطؤ على تسليم حب أكثر بدل حب أقل؛ لأن النقود قليلة، وذلك لا يجوز. فالواجب على الزراع في مثل هذه الحالة، أن يبيعوا الحبوب على غير التجار الذين اشتروا منهم البذر، ثم يوفوهم حقهم نقداً. هذا هو طريق السلامة والاحتياط والبعد عن الربا. فإن وقع البيع بين التجار، وبين الزراع بالنقود، ثم حصل الوفاء من الزراع بالحبوب من غير تواطؤ ولا شرط، فالأقرب صحة ذلك - كما قاله جماعة من العلماء - ولا سيما إذا كان الزارع فقيراً، ويخشى التاجر أنه إن لم يأخذ منه حباً بالسعر بدل النقود التي في ذمته، فات حقه ولم يحصل له شيء؛ لأن الزارع سوف يوفي به غيره ويتركه، أو يصرفه – أي الحب – في حاجات أخرى، وهذا يقع كثيراً من الزراع الفقراء، ويضيع حق التجار. أما إذا كان التجار والزراع تواطئوا على تسليم الحب بعد الحصاد بدلاً من النقود؛ فإن البيع الأول لا يصح من أجل التواطؤ المذكور، وليس للتاجر إلا مثل الحب الذي سلم للزارع من غير زيادة، تنزيلاً له منزلة القرض؛ لعدم صحة البيع مع التواطؤ على أخذ حب أكثر. [1] شر في كتاب (فتاوى إسلامية)، من جمع الشيخ / محمد المسند، ج2، ص: 386، وفي (مجلة الجامعة الإسلامية)، العدد: 2، في السنة الثانية، عام 1390هـ.