السفر بلا محرم لطلب العلم

السؤال: طالبة جامعية نظَّمت إحدى جمعيات الجامعة التي تنتمي إليها رحلة علمية إلى أوروبا لمدة خمسة عشر يوماً؛ ويشارك في تلك الرحلة أساتذة من الجامعة رجال ونساء، رفض ولي أمر الطالبة سفرها بحجة عدم وجود محرم معها، واقتنعت الطالبة بذلك، لكنها وجدت لوماً ونقداً وتقريعاً من الأساتذة والطلاب، وقالوا لها: إن الرحلة للعلم لا تتطلب محرماً، وقال آخرون: لو كان الأمر كذلك لما تعلَّمت امرأة في الخارج، وهذه الطالبة تعيش في صراع عنيف وتريد رداً من سماحتكم.
الإجابة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فللإجابة على هذا السؤال أعرض جملة من الحقائق الشرعية التي قد تخفى على كثير من الناس اليوم:

* فأولها: أن طلب العلم فريضة على المسلم والمسلمة، وليس لهذا الطلب غاية ينتهي إليها، بل الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وقد عُهِد في تاريخ المسلمين الأولين الاستفادة مما عند غيرهم حتى صاروا أرقى الأمم حضارة ومدنية.

* ثانيها: أن طلب العلم لا يكون على حساب الحدود الشرعية والأوامر الإلهية؛ فإن ناساً باسم طلب العلم يريدون إباحة كل شيء، حتى يقول قائلهم: "العلم للعلم"، ومن هذا الباب سفر المرأة بغير محرم طلباً للعلم؛ مع ورود النهي الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع محرم"، وهو في الصحيحين من رواية أبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وحين قال له أحد الصحابة: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انطلق فحج مع امرأتك" (رواه مسلم)، فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم فرض الجهاد عن ذلك الصحابي؛ لئلا يدع امرأته تخرج حاجة وحدها. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: "فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجَّح الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها".أ.هـ
ولو قلنا: طلب العلم فريضة في حق هذه المسلمة، فإن الواجبات تسقط بالعجز، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أما قولهم: بأن الرحلة لطلب العلم لا تتطلب محرماً، فهو قول على الله بغير علم ولا هدى، والواجب على من قاله أن يتوب إلى الله مما قال، وليحذر أن يكون ممن قال الله فيهم: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون}.

* ثالثها: ما فعله ولي أمرها من الإشارة عليها بعدم السفر هو صنيع المؤمنين الطيبين الذين يغارون على أعراضهم ويتقون الله فيما ولاهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، وصنيع هذه الأخت في رضاها بقرار وليها هو مسلك الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، ولتثقي -أمة الله- بأن الله سيبدلها خيراً؛ فإن من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه.

* رابعها: ما تعانيه من لوم وتقريع لا غرابة فيه؛ فإن كثيراً من الناس يتبع هواه بغير هدى من الله، وكثير من الناس يعبد الله على حرف، فإذا تعارضت أوامر الشرع ونواهيه مع ما يهوى، فلا يتردد في أن يجعل الشرع وراءه ظهرياً ولا يبالي به في قليل أو كثير، وإن كان كبُر عليك إعراضهم فتذكري قوله تعالى: {وإن كثيراً من الناس لفاسقون}، وقوله سبحانه وتعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}، وقوله عز وجل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، وهذه الآيات تُسقِط حجتهم في أن كثيرات ذهبن إلى بلاد أوروبا بلا محرم، فالكثرة لا تدل على الصحة بدلالة الآيات التي مرت معنا.

* خامسها: السفر إلى بلاد أوروبا مقيَّد بشروط بيَّنها أهل العلم؛ لما في ذلك من الخطر الماحق على دين المرء المسلم وعرضه، حيث لا يسلم هنالك من أن يُفتن في دينه بكثرة ما يرى من عهر وفساد وصد عن سبيل الله عز وجل، ولعل في فتنة كثير ممن ذهب إلى تلك البلاد من رجال ونساء عبرة للمعتبرين وآية للمتوسمين، والعاقل هو الذي لا يؤثر الفانية على الباقية والعاجلة على الآخرة.

* وأخيراً: يُحمد لك سؤالك عن أمر دينك فإنما شفاء العيِّ السؤال، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزلت بهم نازلة يسألون النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، عملاً بقول ربنا تبارك وتعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، أسأل الله لي ولك ثباتاً على الأمر وعزيمة على الرشد، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن شبكة المشكاة الإسلامية.