الجمع بين قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به، وقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم

قال -عز وجل-: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُالنساء:48]، وقال تعالى: َمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ... النساء:93] الآية، أرجو من سماحة الشيخ أن يتفضل بالجمع بين الآيتين الكريمتين.
ليس هناك بحمد لله اختلاف،فالآية الأولى فيها بيانه -سبحانه- لعباده أنما دون الشرك تحت مشيئته، قد يغفره فضلاً منه -سبحانه-، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته، لانتهاكه حرمات الله، ولتعاطيه ما يوجب غضب الله. أما الشرك فإنه لا يغفر، من مات عليه فإنه لا يغفر له، بل له النار مخلداً فيها أبد الآباد، نعوذ بالله من ذلك. وأما الآية الثانية: ففيها الوعيد لمن قتل نفساً بغير حق؛ بأنه يعذب، وأن الله يغضب عليه بذلك، ولهذا قال -سبحانه-: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[النساء: 93]، معنى ذلك أن هذا هو جزاءه، إن جازاه -سبحانه- فهو مستحق لذلك، وإن عفا -سبحانه- فهو أهل العفو وأهل المغفرة -جل وعلا-، وقد يعذب بما ذكر الله مدةً من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلودٌ مؤقت، ليس مثل خلود الكفار، فإن الخلود خلودان: خلود دائم أبداً لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله -سبحانه- في شأنهم: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ[البقرة: 167] هكذا في سورة البقرة، وقال في سورة المائدة: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ[المائدة: 37]. أما العصاة: قاتل النفس بغير حق، والزاني، والعاق لوالديه، وآكل الربا، وشارب المسكر، إذا ماتوا على هذه المعاصي، وهكذا أشباههم فهم تحت مشيئة الله، كما قال -سبحانه-: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء[النساء: 48]، فإن شاء -جل وعلا- عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها، ولتوحيدهم وإخلاصهم لله، وكونهم مسلمين، أو بشفاعة الشفعاء فيهم، مع توحيدهم وإخلاصهم، وقد يعاقبهم -سبحانه- ولا يحصل لهم عفو، فيعاقبون بإدخالهم النار، وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أنه يشفع في العصاة من أمته، وأن الله يحد له حدا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع -عليه الصلاة والسلام-، أربع مرات، وهكذا الملائكة، وهكذا المؤمنون، وهكذا الأفراط، كلهم يشفعون، ويخرج الله من النار بشفاعتهم من شاء -سبحانه وتعالى-، ويبقى في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام، فيخرجهم الرب -سبحانه- بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي، نسأل الله العافية، وهم الكفار، وبهذا تعلم السائلة الجمع بين الآيتين، وما جاء في معناهما من النصوص، وأن أحاديث الوعد لمن مات على الإسلام على عمومها، إلا من أراد الله تعذيبه، وشاء الله تعذيبه لمعصيته، فهو -سبحانه- الحكيم العليم في ذلك، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد -جل وعلا-، ومنهم من لا يعذب فضلاً من الله لأسباب كثيرة: من أعمال صالحة، ومن شفاعة الشفعاء، وفوق ذلك رحمته وفضله -سبحانه وتعالى-، لمن بقي فيها من العصاة، لمن بقي في النار من العصاة، والله المستعان. جزاكم الله خيراً