بيع العملات

السؤال: ما حكم بيع العملات؟ وكيف تتم على الوجه الشرعي؟
الإجابة: الجواب أن هذه العملات هي نقود، لأنها أثمان للمبيعات وقيم للمتلفات وصدقات للنساء، وهذا معنى الثمنية، فلذلك تحققت فيها علة الربا في النقدين، لأن علة الربا في النقدين مختلف فيها بين أهل العلم على قولين:

القول الأول: أنها الثمنية مطلقاً.
والقول الثاني: أنها الغلبة في الثمنية.

وكلا القولين متحقق في هذه الأملاك اليوم، فلذلك هي بالاتفاق بين الجميع محل للربا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ربا الفضل وربا النساء (النسيئة) في الأثمان.

فربا الفضل بين الجنس الواحد، وربا النساء بين الجنسين.

فالجنس الواحد فيه ربا الفضل والنساء معاً، والجنسان فيهما ربا النساء وليس فيهما ربا الفضل، ولذلك أخرج مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والملح بالملح، والبر بالبر، والشعير بالشعير، مِثلاً بمثل يداً بيد سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد".

وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى"، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء"، فهذا يقتضي أن لا تباع هذه العملات ما كان منها من الجنس الواحد إلا مِثلاً بمثل يداً بيد، ففيها ربا الفضل والنساء، فمثلاً ألف أوقية مشقوقة أو قد ذهب بعض أرقامها لا يحل بيعها إلا بألف أوقية، لا يحل بيعها بأقل ولا بأكثر، لا يحل بيعها إلا بمثلها ولا يحل ذلك نسيئة، لابد أن يكون يداً بيد، لأن هذا في الجنس الواحد وكل عملة هي جنس سواء ما كان منها نحاساً أو أوراقاً وما كان نيكلاً أو غير ذلك، فلا فرق بين الأوراق والعشرين والخمس أواق ونحو ذلك، فالجميع عملة واحدة لأن الثمنية ليست من أصل معدن أو الورقة وإنما هي برقم السحب الذي تخرجه مؤسسة النقد.

ثم ما كان منها أجناساً مثل الأوقية مع الدولار أو مع اليورو مثلاً فهذه يجوز التفاضل فيها طبعاً، لكن لابد في بيعها من أن تكون يداً بيد، والنساء فيها محرم، وهذا في البيع الذي يسمى صرفاً.

أما ما سوى ذلك فإنما يمكن عن طريق السفتجة أو عن طريق القرض، والسفتجة هي دفع مالٍ لمن يوصله إلى مكانٍ ناءٍ إن خيف عليه بأن يكتب لك رسالة إلى وكيله وهي السفاتج، وهي الرسائل التي ترسل إلى الوكلاء ليدفعوا المال عن موكليهم، وهذه السفاتج شاعت في صدر الإسلام، وقد أفتى فيها عبد الله بن العباس رضي الله عنهما بالجواز، فإذا كان الإنسان يعمل في فرنسا مثلاً وأهله هنا في موريتانيا، فدفع مالاً إلى تاجر هنالك فأعطاه ألف يورو، وقال: "بلِّغ هذا إلى أهلي في نواكشوط" ومن المعلوم أنه لن يوصل إليهم اليورو بذاته، وإنما سيصرفه فيعطيهم الأوقية، وخذ مقابل ذلك، فيتفقان على أنه سيأخذ اثنين ونصف بالمائة أو خمسة بالمائة أو يأخذ مبلغاً مقطوعاً كعشر يورو مثلاً على كل سفتجة فهذا من الأمور الجائزة، لأنه بمثابة الوديعة كمن أودعه صندوقاً وقال: "بلِّغ هذا إلى أهلي وخذ عليه أجرة" فهذا مما يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه في الواقع عقد وديعة، وليس عقد صرف، وعند المالكية أن السفتجة يشترط فيها عموم الخوف إن عمَّ الخوف، لكن عموم الخوف يشمل ما يحصل في زماننا هذا، فالإنسان الذي يحمل كثيراً من النقود عُرضة لكثير من المخاوف من اللصوص ومن الجمارك ومن غير ذلك، فلذلك قد عم الخوف فيها.

ثم بعد هذا القسم الثالث، وهو: القرض، وذلك كأن يكون الإنسان يعمل في بلد وأهله في بلد آخر ويريد الانتقال إلى بلد آخر، ولديه نقود من نقد ذلك البلد الذي هو فيه، فيقرضها لهذا التاجر، التاجر خرج من هنا إلى الإمارات ويريد أن يشتري من سوق دبي وليس لديه من السيولة ما يكفي، فيأخذ من الموظف الذي يعمل هناك قرضاً بالدرهم الإماراتي وسيقضيه بالأوقية الموريتانية هنا، فهذا من التعاون على البر والتقوى ولا حرج فيه شرعاً، وهو قرض لا يريد أحدهما الربح منه، فالتاجر لا يريد الربح من هذه الصفقة وإنما يريد تملك النقد في السيولة يشتري بها البضاعة، والعامل أيضاً لا يريد منها ربحاً وإنما يريد نقل ماله من الإمارات إلى موريتانيا، فهذا النوع لا حرج فيه شرعاً لأنه قرض، وإن كان البادئ فيه صاحب العملة الصعبة فهو من حسن الاقتضاء وإن كان البادئ فيه صاحب العملة السهلة فهو من حسن القضاء، وكلاهما مطلوب شرعاً فحُسن الاقتضاء وحسن القضاء كلاهما مندوبٌ إليه، وفي حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ثنياً برباع، وقال: "أعطه، فإن خيركم خيركم قضاء"، فالإنسان إذا قضى ما في ذمته بأحسن منه فهو محسن ولا حرج في ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.