غضب من حماته فطلق ابنتها

حدثت مشادة كلامية بيني وبين حماتي -أم زوجتي- وذلك بحضور الزوجة، وازداد الكلام حدة حتى خرجت من فمي كلمة كنت أود ألا تخرج، ولا ينطق بها لساني، فقد قلت: ابنتك هذه طالقة، وكنت أقولها دون حقد أو كره لزوجتي على الإطلاق ولم تكن هناك نية مسبقة على أن أتلفظ بهذا اللفظ، الذي ندمت عليه، فهل كوني قلت لأم زوجتي وفي حضور الزوجة: ابنتك طالقة تصبح طلقة، مع العلم بأنه بناء على معلوماتي السطحية عن حكم الشرع، أنه مجرد لغو طالما هو في لحظة انفعال، فقد قمت بمباشرة الحياة الزوجية العادية مع زوجتي، ولكن أريد أن أعرف الفتوى ليطمئن قلبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعـد: فالطلاق، ينبغي للمؤمن أن لا يعجل فيه، فقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، فينبغي للمؤمن أن لا يعجل في الطلاق، ويتثبت، وأن لا يطلق إلا عن روية، وعن رغبة في الطلاق لأنها قد طابت نفسه من المرأة ورأى أن الأصلح طلاقها، فيطلقها على بصيرة، وإذا طلق لا يطلق إلا واحدة، لا يزيد عن طلقةٍ واحدة، هذا هو السنة، لكن إذا كان الطلاق من شدة الغضب الذي يمنعه من التعقل وضبط نفسه بسبب طول النزاع بينه وبينها، والمسابة والمشاتمة والمضاربة، فإذا حقق شدة الغضب الناشئ عن أمرٍٍ واضح من مسابة ومشاتمة أو مضاربة أو أشبه من ذلك مما يعلم منه شدة الغضب وعدم استطاعته أن يملك نفسه في هذا المقام فإن هذا على الأصح لا يقع، لأنه في هذه الحالة أشبه بالمعتوه والمجنون، فلا يقع طلاقه، أما الغضب العادي الذي تجري العادة به بين الناس، ليس بالغضب الشديد، وتوافرت أسبابه وشدته فإن هذا يقع معه الطلاق، وإذا كان طلقةً واحدةً راجعها، وشهد اثنين، يقول: اشهد يا فلان وفلان أني راجعت زوجتي، أو رددت زوجتي، أو أمسكت زوجتي ونحو ذلك، هذه السنة، لأن الله قال: وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم، وهذا في الطلاق وفي الرجعة، فيشهد على ذلك اثنين أنه راجعها وإن طابت نفسه منها أشهد اثنين أنه طلقها، ثم هكذا يطلقها الثانية إن كان عن رغبةٍ في الطلاق أو غضب عادي ليس بشديد فهذه تقع الثانية أيضاً، وله مراجعتها فيشهد اثنين أنه راجعها إذا رغب في ذلك، هذا هو السنة، فإذا اشتد الغضب معه، شدةً واضحة بسبب أسبابٍ ...... من مضاربة أو مسابة أو مشاتمة أو نحو ذلك مما يكون معه الغضب شديداً يعجز المرء عن ضبط نفسه، ولا يقوى بسبب ما غلب عليه من الغضب فإنه في هذه الحال يشبه بالمعتوه أو المجنون فلا يقع الطلاق، ثم تبقى الطلقة، الطلقة الثالثة، إذا وقعت الطلقتان الأوليان فالطلقة الأخيرة تحرمها إلا بعد زوج، إذا وقع قبلها طلقتان فإن الطلقة الأخيرة هي المحرمة لها حتى تنكح زوجاً غيره، فالمؤمن يحاسب نفسه في هذه الأمور، ويتقي الله -عز وجل- فإذا وقع منه الطلاق عن طيب نفس ورغبةٍ في الطلاق أو في غضبٍ عادي فإنه يحتسب عليه، وتعتبر المرأة طالقاً طلقةً واحدة، ثم هكذا الثانية، ثم هكذا الثالثة، على حسب ما يقع من العبد. وهناك أمور أخرى يقع فيها الطلاق، في حال الحيض، في حال النفاس، في حال الطهر الذي جامعها فيه، قد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه في هذه الحال لا يقع الطلاق، ويكون طلاق بدعي، منكر، لا يجوز، فليس لمسلمٍ أن يطلق في الحيض ولا في النفاس ولا في طهر جامعها فيه، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه طلق امرأته وهي حائض فأنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يراجعها وأن يمسكها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أن طلق قبل أن يمس وإن شاء أبقاها، وفي لفظٍ قاله: (فإذا طهرت فليطلقها طاهراً أو حاملاً) يعني قبل أن يمسها، ...... قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[الطلاق: 1]، هذا هو الطلاق العدة، أن يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو في حال حيضها، بعض العامة يظن أن طلاق الحامل لا يقع، وهذا غلط، طلاق الحامل شرعي يقع، إنما الذي لا يقع هو طلاق الحائض والنفساء، أو طلاق المرأة التي هي طاهر قد جامعها وليست حاملا، فهذا هو محل خلاف، والأكثر عند أهل العلم على أنه يقع الطلاق، والأكثرون من العلماء أنه يقع الطلاق في حال الحيض، في حال النفاس، في حال الطهر الذي جامعها فيه، مثل حال الحامل، وذهب قوم من أهل العلم إلى أنه لا يقع لكونه طلاقاً منكراً لم يوافق الشرع، فلا يقع، لكون النبي أنكره -عليه الصلاة والسلام-، وحذر الأمة منه، وأمر من طلق أن يمسك حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وهذا القول الذي قاله بعض أهل العلم أظهر بالدليل وأرجح بالدليل، ولكن يجب على المؤمن أن يحذر الطلاق في هذه الأمور، فحين إذا طلق في الحيض فقد أثم، أو طلق في النفاس فقد أثم، وهكذا إذا طلق في طهرٍ جامعها فيه لا يجوز، فعليه التوبة من ذلك، وأن لا يعود إلى ذلك، أما الوقوع فقد عرفت أن الأكثرين على أنه يقع، وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يقع، منهم ابن عمر -رضي الله عنه-، فإنه ثبت عنه أنه استفتي في ذلك فقال:......... وهكذا جاء مع....... عن طاووس، التابعي الجليل وعن خلاس بن عوف الهجري التابعي الجليل، وذهب إليه جمع من أهل العلم، فينبغي على المؤمن أن يحذر التساهل في هذه الأمور، وأن يحفظ لسانه عند الطلاق، إلا عند الحاجة إليه، والرغبة فيه في حال طهرٍ لم يجامعها فيه، أو في حال الحمل، هذا هو الطلاق الشرعي، أما طلقها في حيضٍ أو في نفاس أو في طهرٍ جامعها فيه فهذا لا يجوز والواجب التوبة من ذلك، والحذر من ذلك، وعدم العودة إليه، والله المستعـان. المذيع/ لكن صاحبنا هذا يظهر أن طلقته هذه تحتسب طلقة واحدة لأنه من كلامه يقول قال لحماته: ابنتك هذه طالقة ثم يذكر بأنه باشرها بعد ذلك. ج/ المقصود أنه إذا كان الطلاق لم يستحكم عليه، ولم يشتد معه الغضب بسبب نزاع دار بينهم، أو مضاربة أو مسابة فإن الطلاق يحسب عليه، ويكون جماعها رجعةً لها.