الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر

السؤال: ما رأي فضيلتكم في الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر؟
الإجابة: الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر ليس فيها حديث صحيح لذاته، لكن فيها أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، إلا أنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الصحة لكثرتها وشهرتها وعمل المسلمين بها، وقد وردت في أذان بلال، وأذان أبي محذورة، فأما حديث بلال فظاهره أنه يقال في الأذان الثاني فإن فيه أن بلالاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة لصلاة الفجر، فقيل إنه نائم فنادى بأعلى صوته: (الصلاة خير من النوم)، قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه في التأذين إلى صلاة الفجر، وأما حديث أبي محذورة فظاهره أنه يقال في الأذان الأول فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "فإذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"، وفي رواية: "في الأولى من الصبح"، وفي رواية: "فإن كانت صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"، ولم تقيد بالأذان الأول.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم"، ولم يقيِّده بالأذان الأول.

وتقييد الأذان بالأول في حديث أبي محذورة لا يتعين أن يكون المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل قبل الفجر، بل يحتمل أن يكون المراد بالأذان الذي بعد الفجر وسمي أولاً بالنسبة للإقامة حيث يصح إطلاق اسم الأذان عليها، كما في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: "بين كل أذانين صلاة"، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وسميت الإقامة أذاناً لأن الأذان في اللغة الإعلام وهي إعلام بالقيام إلى الصلاة فصح إطلاق الأذان عليها لغةً، وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: "إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر أهل المدينة" الحديث، وليس في يوم الجمعة سوى أذانين وإقامة فسماها أذاناً، ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرة قبل طلوعه ومرة بعده، ويؤيده أيضاً أن الأذان قبل الفجر ليس لصلاة الفجر بل قد بين النبي صلى الله عليه وسلم الغرض منه حيث قال فيما ثبت عنه في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم"، فبين النبي صلى الله عليه وسلم سبب هذا الأذان وأنه ليس لصلاة الصبح.

والأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث والوفد الذين معه: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، وحضور الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها، فإذا أضيف الأذان إلى الصبح أو صلاة الصبح تعين أن يحمل على الأذان الذي يكون لها عند دخول وقتها.

ويدل على تعيينه أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه في: (باب صلاة الليل) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل، ويحي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين" يعني سنة الفجر.

فإن قيل: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" يدل على أنه لا تثويب في الأذان بعد الفجر إذ لو كان كذلك لم يحصل اشتباه بين الأذانين حتى يحتاج الناس للتنبيه عليه.

فالجواب: أن التثويب لا يكون من أول الأذان حتى يزول الاشتباه به، والإمساك معلق بسماع أول الأذان فكان لابد من التنبيه لئلا يمسكوا من حين أن يسمعوا أول الأذان.

هذا ما تبين لي من السنة أن التثويب إنما يكون في أذان صلاة الفجر وهو ما كان بعد دخول الوقت، أما كلام فقهائنا فظاهره أن التثويب يكون في أذان صلاة الفجر سواء كان قبل الوقت أم بعده ولكن اتباع السنة أولى، والله الموفق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الثاني عشر - باب الأذان والإقامة.