حول حديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"

السؤال: إنسان مستور الحال، من ذوي الهيئات المنظور إليه، وممن يحسن بهم الظن، عثر عليه في جريمة أخلاقية، لا تصل إلى إقامة الحد الشرعي. فقال بعض الناس: يتعين التشهير به حتى يفتضح أمره؛ ليرتدع هو وأمثاله. وقال آخرون: بل ينبغي الستر عليه، واستدل بحديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" (1)، ثم اختلفوا في معنى حديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"، فما حكم الشرع في ذلك؟
الإجابة: قال العلامة ابن القيم في (بدائع الفوائد) (2) على هذا الحديث: قال ابن عقيل: المراد بهم الذين دامت طاعاتهم، فزلت في بعض الأحايين بورطة. قلت: ليس ما ذكره بالبين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعبر عن أهل التقوى والعبادة والطاعة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله، ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم للمطيعين والمتقين. قال: والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس في الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً، مشهوراً بالخير، حتى كبا به جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه غلبة شيطانه، فلا يسارَع إلى تأديبه وعقوبته، بل تقال عثرته، ما لم تكن حداً من حدود الله تعالى، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (3)، وقال: "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" (4).

وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. انتهى.

___________________________________________

1 - أبو داود (4375)، وأحمد (6/181).
2 - (3/171) طبعة مكتبة القاهرة.
3 - البخاري (6787، 6788)، ومسلم (1688) من حديث عائشة، ومسلم (1689) من حديث جابر.
4 - هو الحديث السابق بلفظ البخاري (3733).