المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان

السؤال: ما حكم الانتخابات والمشاركة فيها؟ وماحكم دخول البرلمان؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الانتخابات التي تجري في البلاد الإسلامية، سواء كانت لانتخاب رئيس الدولة، أو لأعضاء البرلمان، أو مجلس الأمة أو الشعب كما يقال، هي دخيلة على المسلمين، انتقلت إليهم من الأمم الكافرة؛ بسبب استيلاء دول الكفر على بلاد المسلمين، وبسبب إعجاب كثير من المسلمين بطرائق الكافرين، وهي طرائق مخالفة لمقتضى العقل والمشروع؛ لأن تعيين المرشحين للانتخاب يقوم على معايير مادية، مصدرها الأهواء والأغراض البشرية، ثم مع فساد هذه المعايير ليس الخيار فيها في الحقيقة للأمة؛ لأنه ليس إليها ترشيح رئيس الدولة، وإنما تختار أحد المرشحَيْن، ثم إن اختياره يقوم على الدعاية، فمن كان أقوى دعايةً وادعاءً كان هو الفائز، ثم إن المعوَّل في هذه الانتخابات على كثرة الأصوات من مختلف طبقات وفئات الشعب، مما يتضمن التسوية في هذا بين عقلائهم وسفهائهم، وعلمائهم وجهالهم، ورجالهم ونسائهم، وبعد هذا كله قد لا يكون فرز الأصوات نزيهاً، بل يكون للرشاوى والوعود في هذا أثر كبير، هذا في البلاد التي توصف بالحضارة والتقدم والديمقراطية على حد قولهم، والتي هي الأصل في هذه الأنظمة، وأما البلاد التي حذت حذوها من البلاد العربية والإسلامية فليس للانتخابات التي تُجرى فيها حقيقة ولا مجاز؛ فالرئيس هو الرئيس، وهوالمنتخب بنسبة 99% أو أكثر.

ومع هذا كله فمن له من الأمة حق الاختيار، من العقلاء والعلماء وصالحي الأمة ونصائحها، وأهل النظر فيما يصلح الأمة في أمر دينها ودنياها، وفي سائر قضاياها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهؤلاء لا أثر لهم في تلك الانتخابات، فإنهم بين مُسْتَبعد لا يعتد باختياره فلا صوت له في حسابهم، أو مغمور لا أثر لاختياره في خضم الكثرة الكاثرة، ممن لهم حق التصويت والاختيار من سائر الطوائف والطبقات في المجتمع، وبهذا يتبين أن هذه الانتخابات بعيدة كل البعد عن صفة اختيار الإمام، كما هو مقرر في أحكام الإمامة عند المسلمين، وكذلك شروط من يُرَشَّح في هذه الانتخابات، مخالِفةٌ لأكثر الشروط المعتبرة في الإمام، الذي تثبت ولايته بالاختيار حسبما هو مقرر في الفقه الإسلامي.

فتبين مما تقدم أن هذه الانتخابات الدخيلة على المسلمين باطلة، وتنظيمها حرام، وذلك لما سبقت الإشارة إليه من اشتمالها على التشبه بالكفار، وارتكازها على الدعاية وشراء الأصوات والدعاوى الكاذبة، وعلى الكثرة الغوغائية التي تبيع أصواتها، بل وتعطي أصواتها لمن يحقق أهواءها دون اعتبار لخلق ولا دين.

وأما حكم المشاركة في الانتخابات، والدخول في البرلمان فهو موضع اجتهاد، فإن كان يحقق مصلحة شرعية راجحة، ونصرة للحق وتخفيفاً للشر والظلم، من غير مباشرة لمعصية أو التزامٍ بأصل من أصول الكفر، أو موافقة على حكم من أحكام الطاغوت المخالفة لشرع الله، فالمشاركة في هذا الوجه مشروعة، عملاً بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

ومن ترجح عنده في المشاركة تحصيل هذه المصالح، ودرء تلك المفاسد فلا عليه إذا شارك بنية صالحة، ومن لم يترجح عنده تحقيق المصالح الراجحة، ولم يأمن من الوقوع في الباطل فليس عليه حرج إذا اعتزل تلك الطوائف كلَّها، ونصح لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِه،ِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:91]،هذا ماتيسر جمعه، والله تعالى أعلم.

تاريخ الفتوى: 23-11-1425 هـ.