استقبال القبلة واستدبارها ومد الرِّجل إليها

السؤال: هل يجوز للرِّجل إذا جلس في المسجد، أو خارج المسجد أن يجلس مستدبراً القبلة، أو يمد رجليه إليها، فإن الإنسان قد يحتاج إلى ذلك؛ لإسناد ظهره إلى سارية ونحوها؟
الإجابة: الكعبة بيت الله وقبلة المسلمين، ويجب لها من التقديس والحرمة والتعظيم ما يتناسب مع مكانتها الدينية، في حدود المشروع، قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (1)، وقد ذكر العلماء أحكام استقبالها واستدبارها.

فمنها أنه يستحب استقبالها في الجلوس مطلقاً، سواء كان لأكل وشرب، أو قراءة قرآن، أو مدارسة علم، أو لأداء وظيفة، أو جلوساً عادياً، فالأفضل للإنسان أن يستقبل القبلة كلما جلس، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء شرفا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة" (2). رواه الطبراني، وإسناده ضعيف.

وفي الباب أحاديث الترغيب في استقبالها؛ سواء في البيت أو في المكتب أو في المتجر أو في المسجد. وكذلك حال أداء المناسك: مِن رمي ونحر وحلق ووقوف بعرفة، ونحوها. وكذا حال أداء العبادات: كالوضوء والغسل والتيمم والأذان والإقامة، ونحوها.

ومنها أنه يحرم استقبالها واستدبارها حال قضاء الحاجة، من بول، أو غائط؛ لحديث أبي أيوب مرفوعاً: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا" (متفق عليه) (3).
أما الاستنجاء والاستجمار، فقد ذكر الفقهاء أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء والاستجمار.

ومنها أنه يجب توجيه الميت إليها، فيوضع في قبره مستقبل القبلة، على جنبه الأيمن.

فأما المريض الذي لا يستطيع القيام ولا الجلوس فيصلي على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة. فإن لم يمكنه على جنبه الأيمن، فعلى الأيسر، ويستقبل القبلة. فإن لم يمكن صلى على ظهره ورجلاه مما يلي القبلة، ويرفع رأسه قليلاً، حتى يكون وجهه مستقبلاً القبلة. وهكذا يُفعل بالمريض حال احتضاره، ومثله إذا أراد الإنسان النوم. ومنها أنه يستحب توجيه الذبيحة إليها حال ذبحها، وليس ذلك بواجب، ولا شرط، وإنما هو سنة.

▪ أما ما ذكرته في السؤال، من مد الرجلين إلى القبلة، فقد ذكرها ابن مفلح في كتاب (الآداب الشرعية)، كما ذكر مسألة إسناد الظهر إليها، فقال (4): (فصل في كراهة إسناد الظهر إلى القبلة في المسجد): ويكره أن يسند ظهره إلى القبلة. قال أحمد -يعني الإمام أحمد بن حنبل-: هذا مكروه، وصرح القاضي بالكراهة. قال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر. رواه أبو بكر النجاد ... إلى أن قال: (فصل في كراهة مد الرجلين إلى القبلة): ذكر غير واحد من الحنفية رحمهم الله أنه يكره مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره، وهذا إن أرادوا به عند الكعبة -زادها الله شرفاً- فمسَلَّم، وإن أرادوا مطلقاً -كما هو ظاهر- فالكراهة تستدعي دليلاً شرعياً، وقد ثبت في الجملة استحبابه، أو جوازه، كما هو في حق الميت. قال في (المفيد) -من كتبهم-: ولا يمد رجليه -يعني- في المسجد؛ لأن في ذلك إهانة له، ولم أجد أصحابنا ذكروا هذا، ولعل تركه أولى، ولعل ما ذكره الحنفية رحمهم الله من حكم هاتين المسألتين قياس كراهة الإمام أحمد رحمه الله الاستناد إلى القبلة، كما سبق، فإن هاتين المسألتين في معنى ذلك. والله أعلم.

___________________________________________

1 - سورة الحج: آية (32).
2 - الطبراني (10/ 389)، والعقيلي (4/ 340)، والحاكم (4/ 269، 270) وغيرهم.
3 - البخاري (144، 394)، ومسلم (264).
4 - (3/ 391).