حكم أكل ذبائح الكفار

السؤال: أنا حالياً في زيارة إلى الولايات المتحدة، ما حكم أكل اللحوم التي تُباع في الأسواق والمطاعم المعتادة؟ هل عليّ فقط أكل اللحوم التي تُباع في المتاجر والمطاعم العربية والإسلامية التي يُعلن أصحابها المسلمون أنها لحوم حلال ذُبحت وفقاً للشرع؟ وإن كان ذلك فيه بعض المشقة لبُعد المسافة إلى هذه المحال والمطاعم وكذلك ارتفاع أسعارها نسبياً؟ 
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فعلى المرء أن يتحرّى الحلال الطيب في طعامه، وأن يتجنب الخبيث المُحرّم؛ فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وقال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}، وقد أجمع العلماء على أن ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى) حلال إذا كانت مُذكَّاة ذَكاة شرعية، بخلاف ما إذا كان الذابح وثنياً، أو مُلحداً، أو مجوسياً، أو مُرتداً عن الإسلام، فلا تحل ذبيحته؛ قال ابن رشد في (بداية المجتهد): "فأما أهل الكتاب، فالعلماء مُجمِعون على جواز ذبائحهم؛ لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة:5]، واختلفوا في التفصيل". ويشترط في ذبيحة الكتابي أن تُذبح على الطريقة الإسلامية، التي هي قطع الودجين والبلعوم، أما ما أزهقوا روحه بطريقة أخرى كالصعق الكهربائي أو الخنق أو الضرب بالرصاص في الرأس ونحو ذلك، مما يخالف الطريق الشرعية فهو ميتة لا يحل لمسلم أن يطعمها؛ لقوله الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسق} [المائدة:3]. وحيث إن أمريكا ليست بلداً إسلامياً، وغالب سكانها من النصارى، ويوجد به عدد قليل من المسلمين، فواجب على من يعيش في تلك البلاد مراعاة ما يلي: أولاً: معرفة المصدر الذي قام بذبح اللحوم المذكورة، فإن كان القائمون عليها من المسلمين أو من أهل الكتاب، فهي حلال، إن أتوا بباقي شروط التذكية؛ من قطع الودجين والتسمية وغيرها. ثانيا: تجتنب اللحوم والمنتجات التي تأتي من المجازر أو المصانع التي يغلب على العاملين بها الديانات الأخرى -كالبوذيين أو الهندوس أو الوثنيين والملحدين وغيرها-. ثالثا: هناك نوعان من الذبائح تنطبق عليها أحكام ذبائح أهل الكتاب، وهما موجودان عادة في الأسواق الأمريكية والأوربية، وهما: * ذبائح النصارى المتدينين الذين قد عرف عنهم أنهم يلتزمون الذبح، كطائفة الآمش ونحوهم. * ذبائح اليهود فإنهم لا يستجيزون أكل الميتات، واللحوم الخاصة باليهود عليها علامة معروفة، وهذه وتلك يجوز شراؤها وأكلها، لكن مع الحذر أن يكون خالطها محرم آخر، كالخمر أو الخنزير. فإذا لم توجد هذه البدائل ولكن وجدت لحوم معروضة في الأسواق ولا يُعرف عن الشركة الموردة لها شيء، فلا بد من التحرِّي وأخذ الحيطة، ودع ما يريبك إلى مالا يريبك، إلا إن كان الذبح الشرعي هو الغالب، فيجوز أكل الذبيحة استصحاباً للأصل، وهو قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة:5]. وإن كان الغالب عليهم عدم الذبح، بل وتجريمه -كما هو الواقع والمنقول إلينا عن طريق الثقات- أو حصل ما يوجب الشك المعتبر في طريقة الذبح أو في فقد شرط من شروط التذكية أو غير ذلك، فحينئذ يجب الكف عن الأكل حتى تتثبت من مصدر اللحم وديانة الذابح، ولا يحل لك أن تأكل منها دون أن تتأكد؛ لأن الحكم للأغلب، ولأن العلماء متفقون على أن الأصل في الذبائح الحُرمة -عدم الحل-، ولذلك لو طرأت على الذبيحة شبهة معتبرة حرمتها، وهو ما قرره الحافظان ابن رجب وابن حجر، ونقلا عليه الإجماع وقال ابن قدامة في (روضة الناظر): "وإذا اختلطت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكَّاة حرمنا الميتة بعلة الموت والأخرى بعلة الاشتباه، وقال قوم: المذكاة حلال لكن يجب الكف عنها"، وقال ابن القيم في (إعلام الموقعين): "لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا؟ بقي الصيد على أصله في التحريم". وجاء في البحوث العلمية لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية: "... الحال الثالثة: ألا نعلم هل ذابحه من تحل ذبيحته أو لا؟ وهذا هو الغالب على اللحم الوارد من الخارج، فالأصل هنا التحريم؛ فلا يحل الأكل منه؛ لأننا لا نعلم صدور هذا الذبح من أهله". وليُعلم أنه ليس هناك حكم واحد عام يمكن تطبيقه في كل الأماكن، بل لكل بلد ظروفها، ولكن الضوابط والقواعد التي أسلفناها سوف تساعد في اختيار الأسلم بإذن الله، والله أعلم.