إطلاق لفظ الآخر لغير المسلمين

السؤال: إذا حررنا أن المراد بـ (نحن) أهل الإسلام؛ فهل يمكن قبول لفظ (الآخر) لغيرهم؟
الإجابة: مصطلح الآخر من الناحية اللغوية ومن ناحية الاستعمال في مجالات الحياة؛ مصطلح عادي لا شيء فيه، هذا في الأصل فأنت تقول في رجلين: هذا فعل كذا أو قال كذا؛ والآخر لم يفعل أو لم يقل فيكون دالاً على نوع من التقابل. وقد يستعمل فيما طريقه التنويع دون تقابل؛ كأن تقول: تكلم الأول بكذا ثم تكلم الآخر الذي معه بمثل كلامه، أو أيَّده الآخر.. وهكذا.

وقد جاء كتاب الله تعالى بهذه المعاني فجاء في آيات كثيرة:

لفظ (آخر) قال تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} [المائدة: ٧٢].

وقال تعالى: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِـحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: ٢٠١]، وتكرَّر هــذا في مقام التوحيد ونفي الشرك؛ فقال تعالى: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ} [الإسراء: ٢٢].

ولفظ (آخرون)؛ كقوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: ٢٠١]، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ} [التوبة: ٦٠١]، وفي آخر المزمل: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} [المزمل: ٠٢]، {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: ٠٢].

ولفظ (آخرين) أيضاً في موضع النصب أو الجر: {ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ} [الشعراء: ٢٧١].

ولفظ (أخرى)؛ كقوله تعالى: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: ٠٢]، وتكرر في هذه السورة أربع مرات.

ولفظ (أخراهم)؛ كقوله تعالى : {وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ} [الأعراف: ٩٣] و(أخراكم) كقوله: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [آل عمران: ٣٥١].

ولفظ (أُخر) كقوله سبحانه: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ٤٨١].

وهكذا فهو أي: مصطلح الآخر مصطلح قرآني، ولكن بالمعاني اللغوية التي وردت عن العرب.

وأردت من هذا دفع توهُّم الاعتراض على هذا المصطلح بأنه ليس في كتاب الله، وإنما في كتاب الله الكافر واليهودي والنصراني والمشرك... فقد يظن الظانُّ - لأول وهلة - أن لفظ (الآخر) لم يرد في كتاب الله تعالى، والأمر ليس كذلك كما سبق.

ولكن المشكلة في الموضوع هي استخدام لفظ (الآخر) مصطلحاً له مدلول خاص في عصرنا هذا، ولا أدري من الذي استخدمه أولاً، ولكن - مع العولمة الثقافية والفكرية والعقدية والتشريعية، ومع ظروف وأحوال وأحداث معروفة - تحوَّل هذا المصطلح من بُعْده اللغوي إلى بُعْد عقدي وفكري، أي: انتقل من الحقيقة اللغوية إلى حقيقة اصطلاحية تحمل أبعاداً كثيرة تخفّى بها ومن أبرزها:

1 - تخصيصها بفئات دينية معينة من اليهود والنصارى والمشركين؛ فتسمية هؤلاء بـ (الآخر) مما لا تجمله دلالة هذا المصطلح مباشرة دون قيد في السياق ونحوه.

2 - اختلاط هذا المصطلح (الآخر) بغيره؛ فمثلاً: المخالف من أهل البدع يسمَّى: الآخر، والمخالف من أصحاب الفكر المنحرف يسمَّى: الآخر، والمخالف في اللغة يسمَّى: الآخر، والمخالف في الانتساب إلى وطنٍ ما يُسمَّى: الآخر.

بل قد سرى هذا - ضرورة - إلى مصطلح (نحن)؛ فهل يُقصَد به المسلمون عموماً، أو يُقصَد به أهل السنة أو العرب أو أهل مصر؟

وقد نشأ عن ذلك اضطراب وتناقض في الخطاب الإعلامي؛ فمرة يكون الآخر الكافر (البعيد أو القريب في داخل بلاد المسلمين)، ومرة يكون الآخر المخالف لك في الاتجاه السياسي، ومرة يكون الآخر المخالف لك في الرأي أو المذهب؛ سواء كان عقدياً أو فقهياً، ومرات يكون الآخر هو من كان من بلد غير بلدك أو قبيلة غير قبيلتك.. وهكذا.

3 - أنه قصد به تخفيف الفارق بين المسلمين والكفار، وهذا من أخطر آثار هذا المصـطلح، حيـث إن مـن أطلـقـه أو أشاع استعماله عن قصد إنما أراد إلغاء عقيدة الولاء والبراء أو إضعافها، ومحو التوحيد والإيمان والإسلام المفرِّق بين المسلمين والكافرين أو إضعاف ذلك.

فبناء على ذلك لا يمكن قبول لفظ (الآخر) بهذا الاعتبار؛ نظراً إلى آثاره الخطيرة التي سبق الإشارة إلى بعضها.