الأخذ بالثأر، والقتل على خلفية: "شرف العائلة"

السؤال: كما تعلمون فقد كثرت حوادث القتل حيث قتل بعض الناس أخذاً بالثأر، كما أنه قد قتلت بعض الفتيات تحت شعار: "القتل على خلفية شرف العائلة"!! فما قولكم في ذلك؟
الإجابة: لا شك أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من أكبر الكبائر، وقد وردت النصوص الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في الترهيب من القتل بغير حق، فمن ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلا بالحقّ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً} [سورة الإسراء الآية 33]، وقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً} [سورة النساء الآية 93].

وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: "الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين" أو ذكر الكبائر فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" قال: "قول الزور" أو قال: "شهادة الزور"، قال شعبة: وأكثر ظني أنه قال: "شهادة الزور" (رواه البخاري)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" (رواه البخاري)، وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش" (رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40)، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56)، وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

ومن المعلوم أن عقوبة القتل عقوبة مشروعة في حالات معينة، كما قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} [سورة البقرة الآية 178]، وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة" (رواه البخاري ومسلم).

وكذلك فإنه من المقرر شرعاً وجوب تطبيق الحدود والتعزير على من ارتكب موجباً لها، والمكلف بتنفيذ جميع العقوبات المقررة شرعاً -القصاص والحدود والتعزير- هو الحاكم المسلم أو من ينيبه، وليس ذلك لأفراد الناس، فلا يجوز لفرد أو جماعة تطبيق العقوبات الشرعية لأن هذا يفتح باباً عريضاً من أبواب الشر والفساد.

.. ومن الأدلة على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة ممثلة بالإمام أو من يقوم مقامه، قول الله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: "لا خلاف في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود" (تفسير القرطبي 2/245).

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ} [سورة النور الآية 2]، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه" (تفسير القرطبي 12/161).

ويدل على ذلك أيضا ما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس: قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" (رواه مالك في الموطأ، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني" "وهو كما قالا" السلسلة الصحيحة 2/272).

وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: "لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، لأنه لم يقم حدٌّ على حر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام" (المهذب 20/34).

وروى الإمام البيهقي بإسناده: "عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان" (سنن البيهقي 8/245).

وقال الشيخ عبد القادر عوده رحمه الله تحت عنوان «من الذي يقيم الحدّ؟»: "من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه، لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة، فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام، ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب، فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه، وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير حضوره لازماً فقال: "اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، وأمر صلى الله عليه وسلم برجم ماعز ولم يحضر الرجم، وأتي بسارق فقال: "اذهبوا به فاقطعوه"، لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم" (التشريع الجنائي الإسلامي 2/444).

وجاء في الموسوعة الفقهية: "اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه، وذلك لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً، كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيمها على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده" (الموسوعة الفقهية الكويتية 17/144-145).

.. إذا تقرر هذا: فإنه يحرم على المسلم أن يأخذ بالثأر، وخاصة إذا قتل غير القاتل، كأن يقتل أخاه أو قريباً له فإن هذا من أعظم المنكرات، فلا يجوز شرعاً أن يؤخذ الانسان بجريرة غيره، قال الله تعالى: {ولا تكسب كلّ نفسٍ إلا عليها ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى} [سورة الأنعام الآية 164].

وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس: "أي يوم هذا؟" قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده..." (رواه الترمذي، وقال وهذا حديث حسن صحيح).

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه ولا جناية أخيه" (رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي 3/863).

وعن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلاناً في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهتف بصوته: "ألا لا تجني نفس على الأخرى" (رواه أحمد والنسائي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 2/721).

وكذلك فإن القتل على خلفية ما يسمى: "شرف العائلة" ممنوع شرعاً، لأن عقوبة الزاني من اختصاص الحاكم المسلم أو من ينيبه، ولا يجوز لشخص مهما كان أن يقوم بقتل الزانية سواء أكان أباً أو أخاً أو عمّاً أو خالاً أو غير ذلك، فلا يجوز لهؤلاء أن يقتلوا من تتهم بالزنا لتطهير شرف العائلة كما يدعون!! لأن عقوبة الزانية إن كانت بكراً الجلد لا القتل، لقوله تعالى: {الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ} [سورة النور الآية 2]، كما أن الإسلام قد شدد في قضية ثبوت الزنا واشترط أربعة شهود، قال تعالى: {واللّاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعةً منكم} [سورة النساء الآية 15]، ولا بد في الإقرار من أن يكون مفصلاً مبيناً كما في قصة ماعز، والقرائن لا بد أن تكون صحيحة ومعتبرة عند العلماء حتى يثبت الزنا (انظر الموسوعة الفقهية 24/37 فما بعدها)، كما أن كثيراً من حالات القتل على خلفية شرف العائلة تكون الفتاة فيها مظلومة ظلماً شديداً فقد تقتل لمجرد الشك في تصرفاتها ولا يكون زناها قد ثبت فعلاً، أو تكون قد ارتكبت مخالفة أقل من الزنا غير موجبة للحد وإنما توجب التعزير فقط.

كما أن الآباء والأمهات والأخوة يتحملون جزءاً من المسؤولية عن وقوع ابنتهم في الفاحشة، فالواجب هو تحصين البنات والشباب وتربيتهم تربية صحيحة، وسد المنافذ التي تؤدي إلى وقوعهم في الفحشاء والمنكر، فإن الوقاية خير من العلاج.

وإذا تم قتل الفتاة الزانية غير المحصنة فإن قاتلها يتحمل مسؤولية قتلها، وينبغي أن يعاقب العقوبة الشرعية إلا إذا وجد مانع من ذلك كالأبوة فهي مانعة من القصاص عند جماهير أهل العلم.

.. وخلاصة الأمر: أن الإسلام حرم الأخذ بالثأر، ومنع القتل على خلفية شرف العائلة، وقرر أن تنفيذ جميع العقوبات الشرعية إنما هو من اختصاص الحاكم المسلم أو من ينيبه وليس ذلك للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.
المفتي : حسام الدين عفانه - المصدر : موقع طريق الإسلام - التصنيف : الجنايات