السبيل إلى وحدة المسلمين

السؤال: ما هو السبيل إلى توحيد المسلمين في الوقت الذي تكالبت عليهم الأعداء فيه وتفرقوا فرقاً كثيرة، كل فرقة تلعن الأخرى!! وأصبح المسلمون مشتغلين فيما بينهم، فما علاج ذلك، وكيف تتفادى الفرقة؟
الإجابة: إن المسلمين لن يصلحهم إلا ربهم ومنهجه الذي شرع لهم، وهذا الدين الذي جعلهم إخوة وأمرهم بالتآخي ونبذ كل ما يؤدي إلى الخلاف، وجمع الكلمة وأمر كل فرد منهم باللين في يد أخيه، وأمرهم بالتراحم فيما بينهم، ووصفهم بذلك فقد قال الله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، وقال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}، وقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}، وقال تعالى: {وقولوا للناس حُسناً}.

كل ذلك يقتضي منهم التراحم والتفاهم فيما بينهم، وأن لا يحتكر أحد منهم الحق لنفسه، وأن لا يدعي أن اجتهاده الوحيد المصيب، فالاجتهادات ليست وحياً مُنزلاً من عند الله، بل هي تخطئ وتصيب، الذي لا يُخطئ هو الوحي وحده، أما اجتهادات الناس فقد قال مالك رحمه الله: "ما منا أحد إلا وهو رادٌ ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".

وإذا انطلقنا من هذا المبدأ حصل التكامل في الاجتهادات، ألا ترون أن المذاهب الفقهية متعددة في المجتمع، لكنها لم تكن يوماً من الأيام داعياً للحروب ولا للخلافات ولا للتعصبات، حين كان الناس يفهمونها في إطارها الصحيح أن المذاهب هي مجرد طرق للتعامل مع النصوص الشرعية، وهي مجرد مدارس لفهم النصوص، فلذلك ليس بين المذاهب تصادم ولا تناحر، وإنما بينها نقاش أيها أقرب للدليل وأيها أصح مأخذاً، وأيها أقوى؟ فيقع بينها ما يسمى بالجدل الفقهي، وحينئذ يكون هذا عامل إثراء في الأمة، ولا يكون عامل تناحر، وهذا المطلوب.

أما بعد أن تراجع العلم في الأمة، فقد أصبح التعصب يطبع الأمة، وأصبح اتباع المذاهب بمثابة اتباع الفرق يتعصبون للآراء التي لا يعرفون أدلتها، وحينئذ خرجت المذاهب عن إطارها الصحيح.

ومع ذلك فخروجها عن إطارها الصحيح لا ينبغي أن يكون ذريعة لنا لتركها بالكلية، أو لحربها، فما هي إلا مدارس لفهم النصوص صدرت عن أئمة مشهود لهم بالعلم والعدالة، وأجمعت الأمة على سلامة معتقدهم ومنهجهم وصحة اجتهادهم.

فلذلك نحن لا نقول إن آراءهم واجتهاداتهم معصومة، لكن نقول إنها مأخوذة من الكتاب والسنة من الأدلة، فما كان منها راجحاً وجب الأخذ به، لأن العمل بالراجح واجب لا راجح، وما كان منها مرجوحاً يُترك العمل به.

لكن مع ذلك لا تعتبر أنه باطل قطعاً، لأنك ليس لديك وحي قاطع بأن هذا الرأي هو الصحيح وأن هذا هو الباطل، بل أنت ما ترجَّح لديك وجب عليك العمل به، لكن مع ذلك لا تحتكر الحق على غيرك، كما قال الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.