أثر العنة في عقد الزواج

السؤال: بالطلب المقدم من الأستاذ/ م ع ق - المحامي، المقيد برقم 46 لسنة 1981 الذي يطلب فيه حكم الشريعة الغراء في امرأة تزوجت رجلاً يكبرها بسبعة عشرة عاماً، وأنجبت منه على فراش الزوجية الصحيحة ولداً وبنتاً، ومنذ وضعها للبنت من نحو ستة عشر عاماً لم يقربها بالمعاشرة الزوجية معللاً بأنه مريض بالقلب، وقد عرض الزوج على العديد من الأطباء، ولم يجدوا به مرضاً عضوياً يمنعه من ذلك، وقد تعرضت الزوجة بسبب عدم قضاء رغبتها الجنسية لحالة مرضية خطيرة جعلتها تطلب من زوجها الطلاق إلا أنه رفض، والسؤال: هل من حق هذه الزوجة طلب الطلاق لهذا السبب؟
الإجابة: الرقم المسلسل: 328.
الموضوع: (1185) أثر العنة في عقد الزواج.
التاريخ: 26/07/1981 م.
المفتي: فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق.

المراجع:
1- العنة ابتداءً عيبٌ يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها.
2- اعتراف الزوجة بوصول زوجها إليها مانع من سماع دعواها أنه عنين بعد ذلك.
3- إذا وصل الزوج إلى زوجته وقاعاً في مكان الحرث منها ولو مرة فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض يحول دون الوصول إلى حرثها.
4- يحصل حق المرأة بالوطء مرة وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الوقاع متعنتاً مع القدرة على الوطء.
5- على الزوجين الامتثال لأوامر الله سبحانه بالمعاشرة بالمعروف، فإذا استحالت العشرة وانعدم السبب الشرعي للتفريق قضاء، فلا جناح عليهما فيما افتدت به.

الجواب:
اتفق علماء الشريعة الإسلامية على أن سلامة الزوج من بعض العيوب شرط أساسي للزوم الزواج بالنسبة للمرأة، بمعنى أنه إذا تبين لها وجود عيب فيه كان لها الحق في رفع أمرها إلى القاضي طالبة التفريق بينها وبين زوجها المعيب.

والفقهاء وإن اختلفوا في تحديد هذه العيوب إلا أنهم اتفقوا على أن العنة عيب يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها.

والعنة -بضم العين وفتحها- الاعتراض، من عن بالبناء للمفعول، والعنين في اللغة من لا يقدر على الجماع، وشرعاً من تعجز آلته عن الدخول في قبل زوجته وموضع الحرث منها.

وأكثر أهل العلم (المغنى لابن قدامة الحنبلى مع الشرح الكبير ج - 7 ص 610 والمحلى لابن حزم ج - 11 ص 269، 270، 271، 272) على أن الزوجة إن اعترفت أن زوجها قد وصل إليها بطل أن يكون عنيناً، فإذا ادعت عجزه بعد هذا لم تسمع دعواها ولم تضرب له مدة، بهذا قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وعطاء وطاووس والأوزاعى والليث بن سعد والحسن بن يحيى وشريح وعمرو بن دينار وأبو عبيد.

ومقتضى هذا أن الزوج إذا وصل إلى زوجته وقاعاً في مكان الحرث منها ولو مرة، فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض وقف به دون تكرر الوصول إلى حرثها، وهذا هو ما روى أيضا عن الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه، قال إن على الزوجة أن تصبر إن كانت العلة طارئة، وكان قد سبق له جماعها.

وقد نص فقهاء المذهب الحنفي في هذا الموضع على أنه (الفتاوى الخانية المطبوعة على هامش الفتاوى الهندية ج - 1 ص 412 طبعة ثانية بولاق الأميرية 1310 هجرية): ولو تزوج ووصل إليها ثم عجز عن الوطء بعد ذلك، وصار عنيناً، لم يكن لها حق الخصومة، فلو جن بعد وصوله إليها مرة أو صار عنيناً بعد الوصول إليها لا يفرق بينهما لحصول حقها بالوطء مرة، وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الديانة متعنتا مع القدرة على الوطء، وفقه هذا المذهب هو المعمول به قضاء في التفريق بين الزوجين بسبب تعيب الزوج بالعنة، بل على وجه العموم بالنسبة لعيوب التناسل، كما تشير إلى هذا المذكرة الإيضاحية للقانونين رقمى 25 لسنة 1920 و 25 لسنة 1929 إذ جاء بها في الفقرة الخامسة ما يلي: (ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن التفريق بالطلاق بسبب اللعان أو العنة أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب أبى حنيفة)، ومن ثَمَّ فلا يسرى على الادعاء بالعنة حكم المادة التاسعة من القانون رقم 25 لسنة 1929 كما نبهت إلى ذلك المذكرة الإيضاحية على الوجه السابق.

لما كان ذلك وكان البادي من السؤال أن هذه الزوجة قد وصل إليها زوجها، وأنجبت منه ابناً وبنتاً في مراحل التعليم المختلفة، ثم إنه توقف عن وقاعها منذ حملت في ابنتهما التي بلغت سنها الآن ست عشرة سنة.

إذ كان ذلك فقد بطل عن هذا الزوج وصف العنة، ولم يبق لزوجته هذه حق في طلب التفريق بينها وبينه قضاء لهذا السبب لحصول حقها في المباشرة بينهما والإنجاب، وإن كان الزوج يأثم ديانة إذا ترك وقاعها متعنتا مع القدرة عليه (المراجع السابقة في فقه المذهب الحنفي) ومع هذا ففيما نقل عن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه النصيحة المثلى لهذه الزوجة، إذ عليها وفقا لقوله أن تصبر وتصابر نفسها وتستعين على تهدئة أحوالها ورغباتها الجسدية بالصوم، كما نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (صحيح البخارى ج - 4 ص 218)، وليستمع الزوجان إلى قول الله سبحانه: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة 229 - 231]، وإلى قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا}، وعلى الزوجين الامتثال لأوامر الله سبحانه في القرآن الكريم (سورة النساء الآية 19 وسورة الطلاق الآية 6) بالمعاشرة بالمعروف، فإذا استحالت العشرة وانعدم السبب الشرعي للتفريق بين الزوجين قضاء فقد وجه الله سبحانه في القرآن الكريم إلى حل عقدة الزواج بقوله: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من فتاوى دار الإفتاء المصرية.