الإنسان مسير أم مخير

يقال: إن الإنسان مسير ويقال إنه مخير، فهل صحيح أنه مخير أو أنه مسير، وإذا كان مسير فلماذا جعل الله النار للملحدين مع أنه هو الذي كتب عليهم الإلحاد؟
الإنسان له وصفان، مسير ومخير، مسير ليس له خروج عن قدر الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الشريف. والقدر أمر ثابت، وهو من أصول الإيمان فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله جبرائيل عن الإيمان: قال في جوابه أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان والله قدر أشياء وكتبها سبحانه قبل أن يخلق الناس، خلق العبد وقدر رزقه وأجله وشقاوته وسعادته، هذا أمر معلوم وقد أجمع عليه أهل السنة والجماعة فهو مسير من هذه الحيثية من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله ولكنه ميسر-أيضاً- لما خلق له، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لما أخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه ما منكم من أحد إلا وقد كتب: مقعده من النار ومقعده من الجنة. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة). ثم تلا قوله سبحانه: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)، فبين عليه الصلاة والسلام أن جميع الأمور مقدرة وأن أعمال العبد وشقاوته وسعادته وسائر شؤونه قد مضى به علم الله، وقد كتبه الله سبحانه وتعالى فليس للعباد خروج عما كتب في اللوح المحفوظ وعما قدره الله عليه سبحانه وتعالى، وهو من هذه الحيثية مسير وميسر أيضاً، أما من جهة التخيير فالله جل وعلا أعطاه عقلاً وسمعاً وبصراً وأدوات فهو بها يعرف ما يضره وما ينفعه وما يناسبه وما لا يناسبه فإذا أتى الطاعة فقد أحسن الاختيار وإذا أتى المعصية فقد أساء الاختيار فليس بالمجبور ولا مكره بل له عقل ينظر به ويميز به بين الضار والنافع والخير والشر والصالح والطالح وله سمع يسمع وله بصر يبصر به وله أدوات من أيدٍ يأخذ بها ويعطي، ورجل يسير عليها، إلى غير ذلك، فهو بهذا مخير هو المصلي وهو الصائم وهو الزاني والسارق وهو الذاكر والغافل، كل هذا من أعماله، فأعماله تنسب إليه وله اختيار وله إرداة، كما قال عز وجل: لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. لمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة. إن الله خبير بما يصنعون. إن الله خبير بما يعملون. إن الله بما تعلمون خبير. إن الله خبير بما تفعلون. فنسب فعلهم إليهم، قال: والصائمين والصائمات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات بعد ما ذكر ما قبلها في قوله سبحانه: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات.. الآية فأفعالهم تنسب إليهم، خيرها وشرها، فالعبد هو الصائم وهو الذاكر وهو الغافل وهو العامل وهو المصلي إلى غير ذلك، فيؤجر على طيب عمله الذي أراد به وجه الله، ويأثم على ما فعله من الشر لأنه مختار عامد لهذا الشيء، فإذا فعل ما شرع الله عن إخلاص ومحبة لله آجره الله، من صلاةٍ وصوم وصدقة وحج وأمر بمعروفٍ ونهي عن منكر وغير ذلك وإذا فعل ما نهى الله عنه من السرقة والزنا وقطيعة الرحم والعقوق وشهادة الزور وما أشبه ذلك أخذ بذلك أيضاً وأثم في ذلك واستحق العقاب لأن هذا من فعله واختياره ولا يمنع ذلك وقد قُدِّر، -سبق به علم الله لا يمنع-، قد سبق علم الله بكل شيء -سبحانه وتعالى- ولكن العبد يختار ويريد وله مشيئة، فإذا شاء المعصية وأرادها وفعلها أخذ بها، وإذا شاء الطاعة وأرادها وفعلها أجر عليها، فهو مخير ومسير وتعبير السنة ميَّسر، وهكذا جاء في الكتاب: (فسنيسره لليسرى)، فالتعبير بالميسر أولى من المسير كما جاءت به في السنة، ويقال مسير كما قال الله جل وعلا: هو الذي يسيركم في البر والبحر، هو يسير عباده أينما شاء -سبحانه وتعالى- وهو الميسر جل وعلا عبده لما يشاء، وهو سبحانه الذي أعطاه العقل وأعطاه القدرة على الفعل والعمل فهو من جهةٍ مسير وميسر ولن يخرج عن قدر الله، ومن جهةٍ أخرى هو مخير وله مشيئة وله اختيار وكل هذا واقع، وبهذا قامت عليه الحجة وانقطعت المعذرة واستحق الثواب والعقاب على أفعاله الطيبة والخبيثة، فالطيبة له ثوابها والخبيثة عليه وزرها، وبهذا يتضح معنى المسير والميسر ومعنى المخير.