هل يشترط في الحب في الله إعلام المحبوب

السؤال: مَن كان يُحب شخصاً في الله ولم يُعلمه بذلك، هل له أجر المتحابين في الله أي: يكون من الذين يَغبطهم الأنبياء والمرسلون كما في الحديث، وهل ينال المسلم تلك المنزلة بالخروج للدعوة إلى الله فقط، أم بطرق أخرى، وكيف يرتقي الإنسان ليصل إلى درجة الإحسان، ومن أصابه الرياء أو وسوس له قلبه فما الذي يجب عليه فعله، وبما ينال المسلم الدرجات العُلى من الجنة، وما هي الكتب التي تعين على ذلك، وكيف يتحقق الخشوع في الصلاة؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الحب في الله من الإيمان، وهو عاطفة قلبية تتجه إلى مَن توفرت فيه أسباب ذلك الحب، وإن سبب حب شخص ما في الله هو طاعته لله والتزامه بدينه واستقامته؛ فالمتحابان في الله جاهدا نفسيهما في مخالفة الهوى؛ حتى صار تحابهما وتوادهما في الله من غير أن يشوبه غرض دنيوي.

هذا والحب في الله فضله عظيم وثوابه كبير؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء" (رواه الترمذي) وقال حسن صحيح، وفي (الصحيحين) عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله... ثم ذكر منهم: ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه".

وفي (الموطأ وصحيح ابن حبان) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أوسط عُرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله" (رواه أحمد)، وفي (سنن أبي داود) عن عمر بن الخطاب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى، قالوا يا رسول الله: تخبرنا من هم، قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" [يونس:62].

ويُستحب لمَن أحبَّ شخصاً ما في الله أن يُعلمه بحبه له، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه "أنَّ رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر به رجل فقال يا رسول الله: إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعْلمته؟ قال: لا، قال: أعْلِمه. قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له" (رواه أبو داود)، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك" (أخرجه أبو داود وابن حبان).

والدعوة إلى الله؛ لا شك أنها من الأسباب الجالبة للتحابب في الله، وهناك أسباب أخرى داعية إلى ذلك، ومن أعظمها تحصيل حب الله سبحانه؛ ففي (الصحيحين) عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه؛ فيحبه جبريل، فينادى جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، ويتحصل حب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وبالإكثار من النوافل؛ ففي (صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قال:... وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه".

ومن الأسباب الجالبة للتحابب في الله أيضاً المعاشرة الحسنة, والصبر على الأذى, ودفع السيئة بالحسنة, وإفشاء السلام, والتهادي، والزهد فيما عند الناس؛ فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا, أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم" (رواه مسلم)، وقال: "تهادوا تحابوا" (رواه مالك والبخاري) في الأدب.

وفي الحديث الذي (رواه ابن ماجه في سننه) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك".

ومنها: البُعد عن المعاصي؛ فإن المعاصي سبب للحرمان، وسبب لوقوع البغضاء بين الناس؛ فقد عاقب الله النصارى بها لما عصوا وكفروا؛ كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} [المائدة:14]، وليُعلم أن الحب في الله له ضابطان لابد من التنبيه عليهما:

الأول:أن يزيد حبك له، إذا زادت طاعته لله واستقامته على دينه، وأن يقل حبك له إذا خالف أمر الله وفرط في جنبه، فإن العلاقة القلبية التي لا تزيد ولا تقل بحسب القرب والبعد عن الله هي في الحقيقة هوى، والحامل على التحابب في هذه الحال هو الأنس بالصحبة، أو موافقة الطباع، أو الإعجاب ونحو ذلك.

الثاني: إذا حصل تعارض بين محبوب الله عز وجل ومحبوب الشخص، فإنك تقدم مرضاة الله على من سواه؛ فالمُحب حقاً هو مَن يسعى في عمارة آخرة محبه، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوُّه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، ولكن لو جامله وترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لدوام صداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه فهو حب للدنيا.

أما تحصيل درجة الإحسان: فقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان، فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (متفق عليه).

أما مَن أصابه الرياء أو الوسوسة: فعليه ألا يفتح للشيطان هذا الباب، وألا يجعل له عليه سلطاناً؛ فيشككه في نيته وقصده، وربما قاده بعد ذلك إلى ترك العمل بحُجة فقد الإخلاص، وهذا مدخل من مداخل الشيطان الخفية، التي يجب على العبد التحرز منها، بل الواجب إخلاص القصد لله ومحاربة النفس من التوجه لغيره، وما عرض بعد ذلك من وساوس لا ينبغي الالتفات إليها؛ فإنها من الشيطان؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره؛ فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وكلما أراد العبد توجهاً إلى الله تعالى بقلبه جاء من الوساوس أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه، ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب، وإذا استسلم الشخص للوساوس ولم يقطعها، فقد تجره إلى ما لا تحمد عقباه - والعياذ بالله - ومن أفضل السبل إلى قطعها والتخلص منها: الاقتناع بأن التمسك بها اتباع للشيطان.

أما الوصول إلى الدرجات العلى من الجنة: فيكون بتحقيق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف:107]، فعلى الإنسان أن يحقق تلك الآية العظيمة التي بينت صفات أصحاب الفردوس؛ أنهم آمنوا وعملوا الصالحات، وأن يحقق الدين في نفسه؛ كما جاء في حديث جبريل في الصحيحين؛ حيث ذكر له النبي أركان الإسلام الخمسة، ثم أركان الإيمان الستة، ثم الإحسان، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".

ونوصيك أيها السائل الكريم أن تتعلم العلم النافع الذي به تستبصر به الأمور؛ قال تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]، وأن تحرص على مجالسة أهل العلم ممن تثق بهم، ويتحلون بالورع والاستقامة والتقوى، والله نسأل أن يوفقنا وإياك إلى مرضاته.

أما الأسباب التي تعين على الخشوع في الصلاة فكثيرة، ومنها:

- كثرة التجاء العبد إلى الله تعالى، وتضرعه إليه أن يرزقه الخشوع.

- تدبُّر ما يقرأ من قرآن وتعقُّل معنى ما يقول من أذكار.

- تذكر امتداح الله تعالى للخاشعين، وربط ذلك بفلاح المؤمنين بخشوعهم في صلاتهم، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1،2]

- ملاحظة أن الصلاة بدون الخشوع لا يحصل فاعلها على ثمرة الصلاة، التي تتمثل في كفه عن الفحشاء والمنكر.

- العلم بأن من لم يخشع في صلاته فقد فوت على نفسه طعم لذة المناجاة لله تعالى، التي هي ألذ ما يتلذذ به المؤمن.

- أن يستشعر أنه واقف بين يدي الله تعالى، والله تعالى مطَّلِع على ما في سره وعلنه.

كما ننصحك بالقراءة في الكتب التالية:

- "الاستقامة" لابن تيمية.
- "مدارج السالكين" و"إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم.
- "صيد الخاطر" و"تلبيس لإبليس" و"صفة الصفوة" لابن الجوزي.
- "رياض الصالحين" للإمام النووي.
- "الكبائر" للذهبي.
- "الترغيب والترهيب"للحافظ المنذري.
- "مختصر منهاج القاصدين" للمقدسي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

منقول من موقع الآلوكة.