الليالي العشر وفضلها والاجتهاد فيها

السؤال: الليالي العشر وفضلها والاجتهاد فيها
الإجابة: ها هي أيام العشر المباركة قد أقبلت، موسماً من مواسم الفضل الإلهي على العباد، وبما تحمل من أنواع القربات والطاعات، يستعد لها أهل العزائم والهمم العالية، وطلاب المغفرة والجنة، والدرجات العلا في جنات النعيم، والعتق من نار الجحيم.
يا رجال الليل جدوا *** رب داع لا يرد ما يقوم الليل إلا *** من له عزم وجد
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضاعف من عمله فيها بأنواعه، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" (رواه البخاري)، وعنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (رواه مسلم).

ومما يستفاد من الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال كثيرة متنوعة:

. منها: إحياء الليل، قال الحافظ ابن رجب: يحتمل أن المراد إحياء الليل كله.

. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر، قال سفيان الثوري: أحب إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يجتهد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم كان يطرق فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: "ألا تقومان فتصليان" (رواه البخاري)، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه الحاكم والذهبي والثوري).
وكانت امرأة من الصالحات تقول لزوجها بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.

. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يشد المئزر: وفسره بعض العلماء بأنه كناية عن شدة الجد والاجتهاد في العبادة.
قال ابن رجب رحمه الله: والصحيح أن المراد اعتزاله النساء، وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، منهم سفيان الثوري، وقد ورد ذلك صريحاً من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنه لم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان.
وفي حديث أنس: وطوى فراشه واعتزل النساء.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم غالباً يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع. انتهى.

. ومنها الاعتكاف: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى (رواه البخاري).
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه.
وشرعاً: المقام في المسجد من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة.

وليس بواجب إجماعاً إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامداً عند قوم.
واختلف في اشتراط الصوم له، وقال ابن العربي بأنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال. وفي مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكده. وقال أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أنه مسنون. انتهى.

قلت: ولا يعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف وهو مفطر قط.
قال ابن رجب رحمه الله: فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق.

والاعتكاف مستحب في رمضان وفي غيره من أيام السنة، وأفضله في رمضان لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً (رواه البخاري).

قال البغوي رحمه الله: إذا أراد اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان يدخل قبل غروب الشمس يوم العشرين، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وعن مالك: أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس.

ويجوز للمعتكف الخروج لحاجته، كالخروج لقضاء الحاجة والاغتسال،، وأن يخرج رأسه من المسجد ليغسل ويسرّح. قالت عائشة رضي الله عنها: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو معتكف في المسجد وأنا في حجرتي فأرجله -وفي رواية: فأغسله- وإن بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً (رواه البخاري ومسلم).

وله أن يتخذ خيمة صغيرة في مؤخرة المسجد يعتكف منها، لأن عائشة رضي الله عنها كانت تضرب للنبي صلى الله عليه وسلم خباء إذا اعتكف، وكان ذلك بأمر منه صلى الله عليه وسلم.
وله أن يضع فراشه أو سريره فيها. فعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراش أو يوضع له سرير وراء اسطوانة التوبة (رواه ابن ماجة والبيهقي وسنده حسن).

. ومنها: تحري ليلة القدر، فيها أنزل القرآن، وفيها يفرق كل أمر حكيم، قال تعالى: {إِنَّا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك إنه هو السميع العليم} [الدخان 1- 6]، وهي خير من ألف شهر، أي: ما يزيد عن ثمانين سنة، قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر].

وهي في أوتار العشر الأواخر، أي: إما أن تكون ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين.

فإن ضعف أو عجز المسلم عن طلبها في ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، فليطلبها في أوتار السبع البواقي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (رواه مسلم).
ويستحب الإكثار من الدعاء فيها، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي اللَّهُمَّ إنكَ عفُوٌّ تُحبُّ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي" (رواه الترمذي وابن ماجة بسند صحيح).

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة القدر: فقال عن صبيحتها: "تطلع الشمس لا شعاع لها، كأنها طست حتى ترتفع" (رواه مسلم)، وهذا -والله أعلم- لكثرة الملائكة الصاعدة للسماء ذلك الصباح، فتغطي أشعة الشمس بأجسامها النورانية، كما سيأتي في الحديث.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء" (رواه أبوداود الطيالسي)، وقال صلى الله عليه وسلم: "ليلة القدر ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" (رواه أحمد وصححه ابن خزيمة).

هذا، ونسأل الله لنا ولكم الإعانة والتوفيق والقبول، والمغفرة والرحمة والعتق من النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.