حكم تنازل الزوج عن حقه في الطلاق لزوجته

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم أ. ف. وفقه الله لكل خير آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وصل إلى كتابكم الكريم المؤرخ 17 / 1 / 1389هـ وصلكم الله بهداه وما تضمنه من السؤال عن جواز تنازل الزوج عن حقه في الطلاق لزوجته كان معلوما.
لا يجوز للرجل أن يتنازل للمرأة عن هذا الحق مطلقا؛ لأن المرأة ليست أهلا لأن تتبوأ هذه المنزلة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ[1] فإعطاء المرأة هذه الميزة خلاف الكتاب والسنة وعكس للأوضاع، ولو كان الطلاق بيد النساء لحصل شر كثير وفساد كبير، ولكن حكمة الله فوق كل حكمة. أما لو أراد الرجل أن يطلق امرأته فقال: أنت وكيلة نفسك فطلقت نفسها لجاز ذلك. أما أن يكون لها هي أن تطلق نفسها على أساس شرط سابق فهذا الشرط باطل حتى ولو حصل الاتفاق عليه؛ لأن الشروط الباطلة لا عبرة لها في الشرع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك))[2] وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما الطلاق لمن أخذ بالساق))[3]. وأبلغ من هذا كله الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً[4] وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنّ[5] الآية. والآيات الدالة على أن الطلاق بيد الرجال كثيرة في كتاب الله عز وجل. والمعنى شاهد بذلك كما سبق. والجواب على ما ذكرتم بما رد به هذا المسئول: لا أعلم له أصلا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا كلام العلماء وإنما هو شيء بدا له فقاله عن ظن واجتهاد، أو تقليد لقول بلغه لم نعرفه ولا أصل له في شرع الله سبحانه، والله المستعان. ولكن لو تضررت المرأة ببقائها مع الزوج لبغضها له أو سوء عشرته أو أسباب أخرى فقد جعل الله لها فرجا بالمخالعة. وإذا لم تتفق مع الزوج على ذلك رفعت ذلك إلى الحاكم الشرعي، وعلى الحاكم أن ينظر في أمرها عملا بقوله سبحانه: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [6]، وقوله عزوجل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[7]. وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتردين عليه حديقته)) قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت: ((اقبل الحديقة وطلقها تطليقة))[8]. وقد لاحظنا أنكم ذكرتم في كتابكم: تحية عربية سداها الإسلام، ولحمتها الإيمان. والصواب أن يقال: تحية إسلامية بالأدلة الشرعية، وتأسيا بالسلف الصالح. وإذا صرح بها فهو أكمل؛ لأن التحية العربية في الجاهلية غير التحية التي جاء بها الإسلام، فينبغي التنبه لمثل هذا الأمر. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نائب رئيس الجامعة الإسلامية [1] سورة النساء، الآية 34. [2] أخرجه الترمذي في (كتاب الطلاق) برقم (1101) وأبو داود في (كتاب الطلاق) برقم (1873) وأحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) برقم (6491). [3] أخرجه ابن ماجه في (كتاب الطلاق) باب طلاق العبد برقم (2072). [4] سورة النساء، الآية 34. [5] سورة الأحزاب، الآية 49. [6] سورة البقرة، الآية 229. [7] سورة النساء، الآية 35. [8] أخرجه البخاري في (كتاب الطلاق) باب الخلع وكيف الطلاق فيه برقم (4867).