حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة

السؤال: سائل يسأل عن هؤلاء الذين يأتون يوم الجمعة متأخرين، ويتخطون رقاب الناس، ويؤْذونهم بذلك، ويضيّقون عليهم بمجالسهم في الصف، فهل يحل لهم ذلك، وماذا يترتب عليهم؟
الإجابة: هؤلاء الذين يتخطون رقاب الناس يوم الجمعة، إذا أتوا متأخرين فقد خالفوا السنة، ورَغِبوا عن الفضيلة، وأساءوا إلى أنفسهم وإلى الناس بهذا الصنيع.

وقد صرح العلماء رحمهم الله بالنهي عن تخطي رقاب الناس؛ لما فيه من أذيتهم، وإساءة الأدب معهم، بل وإهانتهم. وقد عقد الإمام الشافعي رضي الله عنه في (الأم) بابا لكراهية التخطي يوم الجمعة. قال فيه (1): وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإمام وبعده؛ لما فيه من الأذى لهم، وسوء الأدب؛ ولذلك أحب لشاهد الجمعة التبكير إليها، مع الفضل في التبكير إليها.

وقد روي عن الحسن مرسلا: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتخطى رقاب الناس. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "آنيت وآذيت" (2)، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أحب أن أترك الجمعة ولي كذا وكذا، ولأن أصليها بظهر الحَرَّة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس" (3).

وإن كان دون مدخلِ رجلٍ زحامٌ، وأمامه فرجة، فكان تخطيه إلى الفرجة بواحد أو اثنين -رجوت أن يسعه التخطي. وإن كثر كرهتُه، ولم أحبه؛ إلا أن لا يجد السبيلَ إلى مصلًّى يصلي فيه الجمعة إلا بأن يتخطى، فيسعه التخطي، إن شاء الله.

وإن كان إذا وقف حتى تقام الصلاة، تقدم مَن دونه حتى يَصِل إلى موضع تجوز فيه الصلاة كرهتُ له التخطي. وإن فعل ما كرهتُ له من التخطي، لم يكن عليه إعادة صلاة.

وإن كان الزحام دون الإمام الذي يصلي الجمعة، لم أكره له من التخطي، ولا من أن يفرج له الناس ما أكره للمأموم؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة والصلاة لهم.أ.هـ. من (الأم).

وذكر الحافظ في (فتح الباري) في شرح (باب الدهن يوم الجمعة) قول الشافعي: وأكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بذلك، ثم قال الحافظ (4): وهذا يدخل فيه الإمام، ومن يريد وصل الصف المنقطع -إن أبى السابق من ذلك- ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة.

ونقل الموفق ابن قدامة في (المغني) (5) عن الحسن البصري أنه قال: تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد، فإنهم لا حرمة لهم. فاستفيد من كلام الحسن أن هذا من المواضع التي لا يكره فيها التخطي. قال ابن قدامة في تعليل كلام الحسن: وذلك لأنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفضيلة وخير الصفوف، وجلسوا في شرها. والله الموفق.

___________________________________________

1 - (1/ 198).
2 - أخرجه عبد الرزاق (3/ 5498)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (2/ 144) مرسلاً، عن الحسن، وأخرجه أبو داود (1118)، وابن خزيمة (1811) من حديث عبد الله بن بسر مرفوعا، وهو في (صحيح الترغيب) (716، 717).
3 - أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (3/ 5505، 5506)، وابن أبي شيبة (2/ 145)، وابن المنذر في (الأوسط) (4/ 85) من طريق سعيد المقبري وصالح مولى التوءمة، فرقهما، عن أبي هريرة، يعني موقوفا عليه.
4 - (الفتح) (2/ 372).
5 - (المغني) (3/ 231).