لقد كنت أتحدث علي الإنترنت، وفجأة قال شخص لا اعرفه إن الرسول محمد صلى الله عليه ...

السؤال: لقد كنت أتحدث علي الإنترنت، وفجأة قال شخص لا اعرفه إن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان يثار جنسيا من علي طفلة تسع سنوات يقصد السيدة عائشة رضى الله عنها، وقال إن ديننا يعطي الجنس اهتماماً كبيراً. ولم اعرف ماذا أقول فأنا أؤمن أن محمد صلى الله عليه وسلم نبي ورسول الله للناس، ولكن أريد أن اعرف لماذا تزوج صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة وهي ما زالت صغيرة ؟
الإجابة: الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :
هذه الشبهة الساقطة، هي وأمثالها كانت ومازالت ديدن أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم من الملحدين، والرد عليهم في غاية الوضوح والحمد لله ، فنقول وبالله التوفيق :
أول من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم كانت خديجة رضي الله عنها وكانت تكبره بخمسة عشر عاما، و كان عمره-بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرون عاماً- وهي في الأربعين، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ورزق منها أولاده صلى الله عليه وسلم فلو كان شهوانياً لا يطلب إلا شهوة الجنس لما بقي مع امرأة تكبره في السن بخمس عشرة سنة، حتى بلغ هو الأربعين وبعث نبياً ثم بقي معها عشر سنين أخرى حتى صار عمرها هي خمسة وستون عاماً فهي عجوز كبيرة، وهو مع ذلك لا يتزوج عليها، مع أن عادة الناس في تعدد الزوجات منتشرة ومتعارف عليه في ذلك الزمن، ولكنه لم يتزوج عليها صلى الله عليه وسلم من شدة حبه لها. ثم لم ماتت حزن عليها حتى مضت سنتان ولم يتزوج، ثم جاءته خولة بن حكيم فقالت يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ألا تتزوج، فعرضت عليه عائشة وسودة بنت زمعة، فتزوجهما، وأجل الدخول على عائشة حتى بلغت تسع سنين.

فبالله عليكم أيوجد رجل يتزوج امرأة في سن الأربعين وهو شاب مملوء جمالاً وشباباً وأفضل قومه نسباً وحسباً، ثم يبقى معها حتى تصير عجوزا في سن الخامسة والستين صابراً على صحبتها ولا يريد أن يكدر خاطرها بالزواج من أخرى، حتى تموت، أيوجد رجل بهذه المثابة يصح اتهامه بأنه تحركه الشهوة، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. وهذا كله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن الجنس همه ولا هدفه ولا هو محركه بل كانت لحياته أهداف أسمى وغايات أعلى هي هداية الناس وإرشاد البشرية إلى هدى الله تعالى.

ثم لما هاجر إلى المدينة تزوج من بنات أصحابه، وخاصة وزراءه، وتزوج نساء ليواسيهن بموت أزواجهن، وتزوج أخريات لتوطيد العلاقة مع قبائلهن، فكان لزواجه أهداف سامية لها علاقة وطيدة بحرصه على نجاح دعوته صلى الله عليه وسلم ، وكان بمقدوره أن يتزوج أجمل نساء العرب وأكثرهن ثراء، فقد عرضت عليه قريش ذلك، مقابل أن يتنازل عن دعوته، فأبى ذلك، كما لم يفعله في أوج انتصاراته، بل تزوج من الفقيرات، وبعضهن مسنات، وغالبهن ثيبات، بل لم يتزوج بكراً غير عائشة رضي الله عنها، وكل ذلك دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسعى وراء الشهوة المجردة حاشاه صلى الله عليه وسلم ولعن الله من اتهمه بهذه التهمة، بل كان أملك الناس لشهوته، ولهذا استعمل علاقات المصاهرة لتدعيم مبادئ دعوته صلى الله عليه وسلم وتكريس بقاءها من بعده في أقرب الناس إليه .

وينبغي أن ننتبه لشيء مهم جداً، وهو أن الزواج من بنت التسع سنين في ذلك الزمن كان أمرا شائعا في الناس، وكان كثيراً متعارفاً عليه، لا عيب فيه، ولا غضاضة على أحد، لان بلوغ ذات التسع سنين سن الرشد، كان كثيراً جداً، وكانت الفتاة في هذا السن تعد امرأة ناضجة جسدياً ونفسياً، وأكبر دليل على ذلك أن عائشة رضي الله عنها عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرها تسعة عشر عاما، وكانت عالمة فقيهة تفتي الصحابة، ويستشيرونها، ومثل هذا في هذا الزمن معدوم فبنت التسعة عشر عاماً، طفلة صغيرة العقل ضعيفة العلم والرأي، فهي في هذا الزمن لا تؤتمن على شيء، ويدلك على هذا أيضاً أن ابن الخمسة عشر عاماً كان يجاهد مع المجاهدين، في زمن النبوة، لان النضج الجسدي والمعنوي والنفسي كان يحصل مبكراً في ذلك الزمان بسبب طبيعة الحياة، بينما ابن الخمسة عشر عاماً اليوم طفل في الغالب، لا يدبر من أمره شيئا.

وهذا الجاهل الذي قال إن النبي صلى الله عليه وسلم استثارته طفلة، جاهل بالتاريخ جاهل بتطور المجتمعات واختلاف عاداتها وطبائع شعوبها بتطور التاريخ البشري، وإنما هو حاقد على الإسلام وقوته وظهوره وكثرة الداخلين فيه وقلة من يخرج منه بعدما تخالط بشاشته القلوب، فلم يجد إلا هذه الاتهامات يتهم فيها الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وليس هذا بغريب فقد اتهمه الكفار من أول يوم ظهرت فيه دعوته ورسالته التي هي رحمة للعالمين، اتهموه بالجنون والسحر والكذب، فنصره الله عليهم، وأخزاهم وانتشرت رسالته العظيمة في العالم بأسره، وبلغت أقاصي الأرض، وصارت نوراً وهدى للناس أجمعين، ولم تضره هذه الاتهامات بل زادت من إقبال الناس على الدخول في دين الإسلام، وهؤلاء الذين يحاولون تشويه صورة الإسلام بالطعن في نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، مثلهم مثل قول الشاعر :
وناطح صخرة يوما ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ومثلهم مثل قول الشاعر :
عوى نابح من أرضه فعوت له ** كلاب وأخرى مستخف حلومها
وسبحان الله كيف يتهمنا الذين ملأوا الدنيا من قذارة الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي في كل العالم، حتى بلغ بهم الأمر أن صارت عادة تبادل الزوجات عادة سارية لديهم، وتجارة دعارة الأطفال بلغت حداً تقشعر منه الأبدان. كيف يتهمون الإسلام الذي حرم الزنا وجعله ثالث اكبر جريمة تقع في الأرض، بعد الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله تعالى، وأمر بالحجاب، وأمر المرأة أن لا تخلو بالرجل، ولا تسافر إلا مع محرم، وأمر الرجال بغض الأبصار، والنساء كذلك، وجعل العفة من أفضل وأكرم الأخلاق وأزكاها، كيف يتهمون الإسلام بأنه كل اهتمامه بالجنس ؟

والحق أن مثلهم ومثل المسلمين في هذا الزمان، مثل قوم لوط إذ قالوا {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}، فهم حانقون على الإسلام، لأنه يحث على الطهارة، ويأمر بالعفة، وحسدوا المسلمين على هذا الصفة الحميدة فيهم، فاتهموه بما هو منه براء، والله المستعان عليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.