ما حكم عقود الصيانة؟

السؤال: جماعة من مُلاك سيارات النقل الكبيرة يتفقون مع خبير في تصليح السيارات، ويدفعون له مبلغاً شهرياً عن كل سيارة، فإذا لم تتعطل السيارة لا ينقصونه، وإذا تعطلت السيارة تعطلاً كبيراً وأمضى الخبير وقتاً كبيراً وجهداً كبيراً في تصليحها لا يزيدونه على ذلك المبلغ، فما حكم هذا العقد؟
الإجابة: إن هذا العقد هو الذي يسمى في عرف القانونيين اليوم بعقد الصيانة، وعقود الصيانة منها ما يتعلق بالمباني ومنها ما يتعلق بالأجهزة والسيارات والطائرات والباخرات، ومنها ما يتعلق بالشوارع والطرق ونحوها، وقد اصطلح في عرف أهل اليوم على أن عقود الصيانة لا بد فيها من تحديد، أي أن يحدد مدى ضمان الصائن، فمثلاً إذا كان عقد الصيانة على سيارة فتعطلت ماكنتها بالكلية -انكسرت ابلوك موتير- الماكنة انكسرت، حينئذ لا يدخل هذا في ضمان الصائن في العرف في عادة الناس، وكذلك إذا كان عقد الصيانة يتعلق بجهاز كمبيوتر فاحترق الرام مثلاً أو تعطل الهاردسك، بحيث لا يستطيع أن يعيده فهذا الجهاز لم يعد صالحاً للصيانة فلا يدخل هذا في ضمان الصائن، إنما يكون ذلك في القطع المعتادة التي يكثر تعطلها واستبدالها.

وهذا العقد فيه لا شك غرر واضح جداً، وهو أن المؤمن عليه قد يتعطل وقد لا يتعطل، كما ذكر في السؤال عن السيارة، لكن هذا الغرر إذا كان يسيراً بأن كثر التعطل في الأمر فيكون ذلك مغتفراً، ومن هنا فعقود الصيانة التي تجرى اليوم منها ما هو مباح ومنها ما هو محرم.

فالمباح منها ما إذا كان الإنسان له عقارات مثلاً، ويعلم أنه في كل فترة يحتاج إلى تجديد الأصباغ لأن هذه الأصباغ لها مدة معينة في الرطوبة وتبادل الحرارة والبرد لا بد أن تزول ويحتاج المبنى إلى صيانة بإزالة الأصباغ الموجودة وإعادتها من جديد، وكذلك الأبواب والنوافذ ومثل ذلك المكيفات الهوائية ونحوها من الأمور التي يحتاج فيها إلى صيانة دورية، والذي ينفق على الصيانة في مثل هذه الأمور معروف عادةً ومدة بقائها معروفة، في كثير من البلدان يعرف أن صيانة المباني الكبيرة إنما هي في كل ستة أشهر مثلاً، فهذا النوع إذا كان معروفاً فهو من الأمور الجائزة، والغرر الذي فيه مغتفر كالغرر الذي في عقد البناء أصلاً، فعقد البناء أليس البلوك الذي يبنى به أصلاً يتفاوت القدر الذي يوضع فيه من المحار والقدر الذي يوضع فيه من الإسمنت ولا يستطيع الإنسان ضبط ذلك، فلذلك يعفى عن هذا النوع من الغرر اليسير، ومثل ذلك تعطل السيارات، السيارات إذا كانت لمصالح حكومية ونحو ذلك، وكان تعطلها تابعاً لأعمالها، فمن المعلوم أن هذه السيارة تؤدي الخدمة الفلانية وتقطع في كل شهر كذا وكذا من الأميال، ومن المعلوم أن هذه الأميال وهذه الخدمة المعينة يحتاج فيها إلى صيانة محددة وهي تبديل الزيوت كلما قطعت 3000 كلم أو 4000 كلم وهي محددة، ومن المعلوم متى تقطع هذا العدد من الأميال فإذا قطعت هذه الأميال تبدل عنها الزيوت، وفي التبديل الثاني تبدل أيضاً المصافي المصافي الصغيرة، مصفاة الزيت ومصفاة البنزين، وإذا كانت مثلاً تعمل بالديزل لا بد من إبدال المصافي كلها في التبديل الثاني للزيوت، فهذا النوع من المعروف عرفاً ويجوز عقد الصيانة عليه.

أما ما يتعلق بإصلاح الماكنات وإصلاح السرعة التي تسمى مثلاً ببوات فتس أو بوات اترانسفير مثلاً أو نحو ذلك فمثل هذا النوع لا يدخل في عقد الصيانة لأنه من الغرر لأن السيارة قد تعمر ولا تحتاج إليه، وقد تحتاج إليه نظراً لمخالفة يقع فيها السائق فلذلك لا بد من حد عقد الصيانة بحدود تمنع الغرر الفاحش، والغرر اليسير معفو عنه في مثل هذا النوع.

وقد وضعت في عقد الصيانة عدة ضوابط يمكن الرجوع إليها، وهذه الضوابط منها:
أولاً: تجنب الغرر الفاحش، ومنها الضبط الزماني ومنها الضبط المكاني بتحديده، وهذه الضوابط لا بد من مراجعتها حتى يكون العقد منضبطاً.

والناس اليوم يقدمون على عقود عجيبة جداً فيها من الغرر الشيء الكثير جداً، فيكون عقد الصيانة إنما هو من أكل مال الناس بالباطل، فأنت تدفع مالاً على إصلاح سيارتك ولم تحتج إلى الإصلاح أصلاً، فهذا النوع من العقود التي فيها التعرض لمثل هذه الدرجة من الغرر حرام، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وأكل مال الناس بالباطل حرام، فلذلك لا بد أن يكون العقد مضبوطاً بضوابط واضحة، تقلل نسبة الغرر فيه.

وهنا التنبيه إلى أمر وهو أن المصانع وأصحاب السيارات ومثل ذلك أيضاً المصالح الحكومية التي تُصلح الطرق أو المباني تعرف في العادة ما يحتاج إليه للصيانة، والدليل على ذلك أنها تضع بنداً في الميزانية مخصوصاً بالصيانة، كل مصلحة حكومية أو كل شركة تعرف ما يحتاج إليه للصيانة فتضع له بنداً مخصصاً من الميزانية بحسب توقع أهل الخبرة، نحن نعلم أنه قد لا يتقيد بالصرف في البنود، قد يؤخذ من بند لآخر، لكن من المعلوم أن التقدير في الأصل إنما كان على أساس خبرة، وإذا كان على أساس خبرة اقتضى ذلك نفي الجهالة المحذورة شرعاً، لأن المحذور شرعاً هو الغرر الذي سببه الجهالة، فإذا كان هناك تقدير علمي مبناه على عادة وتجربة فهذا كاف في نفي الغرر وإباحة هذا العقد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.