مآسي العقوق ونسيان الجميل والتمرد على الوالدين

رسالتي لكم رسالة أم مؤمنة مسلمة، عاشت عمرها الذي تجاوز الخمسين عاماً على عبادة الله وعلى سنة نبيه الحبيب-صلى الله عليه وسلم-، أنشأت ابنتها الكبيرة على طريقتها حتى تزوجت قبل عشرة سنوات، وصارت تبتعد عني رغم أني أتقرب إليها، حيث لم ينجب زوجها ذرية لسبب فيه، وتركنا ذلك إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، وفي الفترة الأخيرة افتقدتها نهائياً ولم أعلم عنها شيئاً وانقطعت أخبارها، وقد تركتني أنا الأم التي أنشأتها على طاعة الله والوالدين، أُفتش عنها في كل زاوية ودرب مشوشة الفكر، قلقلة مشدودة الأعصاب، علماً بأني تحت العلاج الطبي؛ والعمليات الجراحية التي أجريت لي حتى الآن لم تُشفَ، أكرر: هل ما أمر به الله تعالى بالعطف على الوالدين ورعايتهم وعدم الإساءة لهم بالقول البسيط (أف) فكيف بهذا العمل الذي أقلقني في صلاتي وحرمني طعم الخشوع، أدعو أبناءنا إلى الطاعة فيما يرضي الله ورسوله، وليتركوا تعسفهم للوالدين باسم الانقطاع الكلي لفكرهم وأرائهم التي ينقصها التجربة والعطف والواقع الذي يلف البشر، فالله الله بهذه الأم التي أرضعت وربت ودرست وعلمت وهذبت على شريعة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، إنه تعامل هكذا، أرجو منكم حفظكم الله إذاعة رسالتي أكثر من مرة، فهي تستمع إلى ندوتكم المذاعة منذ سنوات كما نسمعها جميعاً، ودمتم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وتسأل أربعة أسئلة -فيما يبدو- على ضوء ما ذكرت، فتقول سماحة الشيخ: ما حكم الشرع في هذا العمل، حيث خرجت بدون محرم معها وكذبت على والديها؟ ما حكم الشرع في هذا العقوق ومعاملة الوالدين وهما من أهل الإسلام والإيمان؟ ما درجة صحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أمر أحد المجاهدين بالرجوع عن الجهاد والبقاء مع أمه رأفة بها من نبي الرحمة الكريم صلى الله عليه وسلم؟ هل غاب عن بال من يصرف النظر عن والديه أن النبي الكريم أوصى بالأم ثلاث مرات وبالأب مرة دون غيرهم؟ أرجو أن تتفضلوا بالتوجيه والإرشاد حول هذه القضية.
لا ريب أن بر الوالدين والإحسان إليهما والرفق بهما من أهم الواجبات ومن أفضل القربات وقد أوجب الله سبحانه حق الوالدين وأمر بالإحسان إليهما في كتابه العظيم في آيات كثيرات منها قوله -عز وجل-: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (الإسراء:23-24). ومنها قوله سبحانه في سورة لقمان: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (لقمان: من الآية14). فبرهما من أهم الفرائض وهذا العمل التي عملته هذه البنت عمل سيء ومنكر ولا شك أنه عقوق، والواجب عليها أن تضع يديها في يد والدتها وتطلب منها السماح والإباحة والعفو؛ لأنها قد أساءت إلى والدتها مع ما فعلت الوالدة من الخير العظيم والتربية والإحسان والصبر على أذى الطفل إلى غير ذلك مما تقوم به الوالدة، فينبغي أن تتوب إلى الله وأن ترجع إليه سبحانه وأن تستغفره جل وعلا من ذنبها وتقصيرها وأن تضع يدها في يد والدتها وتستسمحها وتطلبها العفو، وإذا كان هناك شيء حصل من والدتها يضرها ففي إمكانها توسيط من ترى من أهل الخير والأقارب حتى يصلح بينها وبين والدتها إن كان هناك شيء أو جب هذه القطيعة وهذا البعد، وأما ما يتعلق بسفر المرأة بغير محرم فهذا لا يجوز، ليس لها أن تسافر إلا بالمحرم كما أمر به النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له رجل: يا رسول الله! من أبر؟ قال: (أمك). قال: ثم من؟ قال: (أمك). قال: ثم من؟ قال: (أمك). قال: ثم من؟ قال: (أباك ثم الأقرب فالأقرب) وفي لفظ آخر لما سئل يا رسول الله ! أي الناس أحق بحسن الصحبة؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك)، فحق الوالدة أعظم وأكبر من حق الوالد ثلاث مرات، حتى الجهاد إذا كان ليس فرض عين لابد من استئذان الوالدين أو أحدهما إذا كان موجوداً أحدهما، وهو الجهاد الذي هو من أهم الفرائض، وقد يجب على الأعيان في بعض الأحيان. فالحاصل أنه يجب على الولد أن يستأذن والديه في الجهاد إذا لم يكن فرض عين لعظم حقهما؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لما استأذنه رجل بالجهاد قال: (أحي والداك؟) قال: نعم. قال: (ففيهما فجاهد) فالمقصود أن حق الوالدين عظيم، فالواجب على البنين والبنات أن يعنوا بهذا الأمر، وأن يعطفوا على والديهم، وأن يرحموا والديهم، وأن يحسنوا إلى الوالدين، وأن يتلطفوا بالوالدين وأن يعطفوا على الوالدين، فهذا من بعض حق الوالدين. رزق الله الجميع التوفيق والهداية. الواقع: أختنا سماحة الشيخ تذكر مأساة يشكو منها كثيراً من الآباء، تلكم هي ما يعرف بين كثير من الشباب بالانقطاع الكلي للفكر وتمحيص الآراء؛ حتى أن هذا أدى بالأبناء إلى الانقطاع عن آبائهم وببعض البنات أيضاً، لابد لسماحة الشيخ من كلمة، واعتقد أن هذا غزو دخل إلى شبيبة الإسلام؟. لا شك أن هذا أمر خطير، والواجب على الشباب أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يعرف قدر الوالدين وحق الوالدين، فحقهما عظيم وواجبهما كبير، ولا ينبغي للشباب من الذكور والإناث أن ينقطعوا للوساوس والأفكار المخالفة المنحرفة، بل يجب على المؤمن شاباً أو شيخاً، وعلى المؤمنة فتاة أو كبيرة على الجميع أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يتقوا الله في أقاربهم، وفي والديهم بوجه أخص، وأن يحرصوا على الاستقامة، وأن يحذروا وساوس الشيطان ونزغات الشيطان فكم لله من وسوسة تكون سبباً لهلاك الشخص والله جل وعلا قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (الناس:1-4) فهو وسواس عند الغفلة، خناس عند الذكر. فالواجب على الشباب جميعا من الذكور والإناث أن يتقوا الله وأن يستقيموا على دينه وأن يعرفوا قدر الوالدين وقدر الأقارب، وأن يبروا والديهم، وأن يصلوا أرحامهم. ولو فرضنا أن الوالدين كافران لوجب الإحسان إليهما، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم في حق الوالدين الكافرين: .. وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. (لقمان: من الآية15)، وهما كافران!! عليه أن يحسن إليهما، وأن يصحبهما بالمعروف وأن يدعوهما إلى الخير، وأن يحسن إليهما بما يستطيع من مال وجاه ودعوة إلى الله -عز وجل- لعل الله يهديهما بأسبابه. فكيف إذا كان والداه مسلمين؟!! فالأمر أعظم وأكبر، وهكذا الرحم، وصل الرحم من أهم الواجبات وقطيعتها من أقبح الكبائر، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: (الإشراك بالله)، ثم قال: (وعقوق الوالدين)، فجعل العقوق من أكبر الكبائر، فالواجب على الجميع من ذكور وإناث أن يعرفوا قد الوالدين، وأن يعظموا قدر الوالدين، وأن يحسنوا إليهما، ولو جرى منهما بعض الشيء من التقصير في حق الولدين أو من الكلام الشديد على الولدين أو من الإساءة إليهما فحقهما عظيم، فالواجب الإحسان إليهما والتلطف بهما واستسماحهما وطلب العفو منهما، وتوسيط الناس الطيبين في الإصلاح بين الإنسان وبين والديه إذا كان هناك شيء من الاختلاف بينهما، لا ينفر من والديه ولا يبتعد عن والديه، بل يجتهد في إيجاد الصلح وفي إيجاد التقارب بينه وبين والديه حتى ولو أساءا إليه، ليتحمل ولينظر إلى حقهما العظيم وليوسط الأخيار من إخوة كبار، أو أخوال أو أعمام أو غيرهم حتى يزول الإشكال وحتى يعود الوئام بين الولد ووالديه، وبين البنت ووالديها، هكذا ينبغي. أما الانقطاع والتباعد عن الوالدين والغفلة عنهما فهذا شره عظيم وعاقبته وخيمة وهو من أعظم العقوق، نسأل الله للجميع الهداية والعافية.