المنهج في طلب العلم

السؤال: لو تفضلتم بوضع منهجٍ لِطَلَبِ العِلْمِ مَعَ العِلْمِ أَنِّي في بداية المسير، بارك الله فيكم.
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فنشكر للسائل الكريم حِرْصَهُ على طلب العلم، ونَسْأَلُ الله تعالى أن يرزُقَنا وإيَّاهُ الهدى والاستقامة والثبات على الخير، وأن يُيَسِّرَ لنا وله تحصيلَ العِلْمِ النافع، والعَمَلَ به ونَزُفُّ إليه البُشرى من الله ورسوله؛ قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَلَكَ طريقًا يطْلُبُ فيه عِلمًا سَلَكَ اللهُ به طريقًا من طرُقِ الجنَّة، وإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطالب العِلْمِ رِضًا بما يَصْنَعُ، وإن العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ له مَن في السموات وَمَنْ في الأرض، والحِيتانُ في جَوْفِ الماء، وإنَّ فَضْلَ العالِم على العابد كفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ على سائر الكواكب، وإنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وافِر" (رواه أحمد وابن حبان عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وصحَّحَهُ الألباني).

واعلم - أيها الحبيب- أنَّ لطالِبِ العِلْم آدابًا لابد منها لتحصيل المقصود، ومن هذه الآداب:

أولاً: الإخلاص في الطلب، ففي حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ طَلَبَ العِلم لِيُجارِيَ به العلماءَ أَوْ لِيُمارِيَ به السُّفهاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ به وُجُوهَ النَّاس إليْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّار" (رواه الترمذي.)

ثانياً: الصبر على الطَّلَبِ وتَحَمُّل العَناء فيه؛ فَقَدْ عَقَدَ الدارمي في سننه باب: الرِّحلة في طَلَبِ العِلْم واحتمال العَناء فيه، وقال البُخَارِيُّ: باب الخروج في طلب العلم، وَرَحَل جابِرُ بْنُ عَبْدِ الله مسيرةَ شَهْرٍ إلى عبد الله بن أُنَيْسٍ في حديث واحد.

ثالثاً: اختيار من يتعلم على يديهم، فلابد من ملازمة شيخٍ ورعٍ سليم المُعْتَقَد، عالمٍ بما يدرِّسُ؛ فقد قال الخطيب البغدادي: ينبغي للمتعلِّم أنْ يَقْصِدَ مِنَ الفُقَهاءِ مَنِ اشْتَهَرَ بالدِّيانَةِ، وعُرِف بالستر والصيانَة، وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: إنَّما هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، ورواه مسلم في المقدمة.

رابعاً: تجنُّب تلقِّي العلم من الكُتُب فَقَطْ، فقد قال الخطيب: ويكون قد أخذ فقهه من أفواه العلماء لا من الصحف.

وأورد عن سليمان بن موسى قال: لا تقرءوا القرآن على المُصْحَفِيّينَ، ولا تأخذوا العلم من الصحفيين.

خامساً: التَّواضُع؛ فقد روى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكثتُ سنةً وأنا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بن الخطاب عن آية، فلا أستطيع أن أسأله هيبة،،، إلى غير ذلك من الآداب.

ولمعرفة المزيد مِنْ آداب طالب العلم يمكنك مُراجعة "حِلية طالِب العِلْم" لبكر بن عبد الله أبو زيد، "وأدب الطلب" للشوكاني، "وتذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة.

والذي نَنْصَحُك به: -

أن تبدأ بحِفْظِ كتاب الله، أوْ ما تَيَسَّرَ لكَ حِفْظُه مع تَعَلُّم أحكام التلاوة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرُكم مَنْ تعلَّم القُرآن وعلَّمه" (رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه). -

ثم عليك بالتدرُّج في طلب العلم، فتبدأ بصغارِه قبل كِبارِه. ثم لتَرْتَقِ في العلوم شيئًا فشيئًا بِحَسَبِ ما يَفْتَحُ اللهُ عليك، وعليك أن توازن بين العلوم، فلا تكونُ دراستُك قاصرةً على علمٍ واحدٍ وأن لا تطغى دراسةُ أحَدِ فُنُونِ العِلْم على باقي الفنون.

وأمَّا المَنْهَجُ المختار لِطالِبِ العِلمِ في أولى مراحل الطلب: •

في العقيدة: تبدأ بكتاب الإيمان للدكتور محمد نعيم ياسين، أو شَرْح كتاب التوحيد للعلاَّمة العُثَيْمِين، أو بسلسلة كتب: "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة" للدكتور عمر الأشقر. •

وفي التفسير: "تيسير الكريم الرحمن" للشيخ السَّعدي أو "زبدة التفسير" للدكتور محمد الأشقر، أو "مختصر تفسير ابن كثير" لمحمد نسيب الرفاعي، مع مقدمة في التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية. •

وفي الحديث: "شرح الأربعين النووية" للإمام النووي. أو "عمدة الأحكام" وشرحه "تيسير العلاَّم" للشيخ عبد الله البسام، ثم "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر العسقلاني. •

وفي السيرة: "نور اليقين في سيرة سيد المرسلين" للخضري، أو "الرحيق المختوم". •

وفي النحو: "التحفة السنية في شرح المقدمة الآجرّوميّة" لمحمد محيي الدين عبد الحميد، أو "النحو المصفَّى" لمحمد عيد، أو "مختصر قواعد اللغة العربية" لفؤاد نعمة، أو "معجم قواعد اللغة العربية" لأنطوان الدحداح. •

وفي أصول الفقه: "الواضح" للدكتور محمد سليمان الأشقر أو "الوجيز" لعبد الكريم زيدان أو "أصول الفقه" لأبي زهرة. •

وفي مصطلح الحديث: "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" للحافظ ابن حجر أو شرح ابن عثيمين على المنظومة البيقونية. •

وفي الرقائق: "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة، و"الداء والدواء" لابن القيم.

هذا وننصح الأخ السائل بالاستماع إلى أشرطة العلماء التي تشرح هذه العلوم وخصوصًا أشرطة العلامة محمد بن صالح العثيمين، والشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي. وبإمكان الأخ السائل معرفة كثير من الأحكام التي تهمه من خلال موقعنا وذلك بتصفح تفريع فتاوى الموقع.

ولمزيد فائدة يراجع فتوى: "الطريق إلى طلب العلم وخدمة العقيدة"، والله تعالى أعلم.