سئل عن القصيدة التائية في القدر

السؤال: سئل عن القصيدة التائية في القدر
الإجابة: سؤال عن القدر‏:‏

أورده أحد علماء الذميين فقال‏:‏

أيا علماء الدين، ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ** ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي ‏؟‏

دعاني، وسد الباب عني، فهل إلى ** دخولي سبيل ‏؟‏ بينوا لي قضيتي

قضى بضلالي، ثم قال‏:‏ ارض بالقضا ** فما أنا راض بالذي فيه شقوتي

فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ** فربي لا يرضى بشؤم بليتي

فهل لي رضا، ما ليس يرضاه سيدي ** فقد حرت دلوني على كشف حيرتي

إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ** فهل أنا عاص في اتباع المشيئة ‏؟‏

وهل لي اختيار أن أخالف حكمه ‏؟‏ ** فبالله فاشفوا بالبراهين علتي

فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد ابن تيمية مرتجلا الحمد لله رب العالمين‏:‏ سؤالك يا هذا، سؤال معاند ** مخاصم رب العرش، باري البرية

فهذا سؤال، خاصم الملأ العلا ** قديما به إبليس، أصل البلية

ومن يك خصما للمهيمن يرجعن ** على أم رأس هاويا في الحفيرة ويدعى خصوم الله يوم معادهم ** إلى النار طرا، معشر القدرية

سواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ** به الله، أو ماروا به للشريعة

وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ** هو الخوض في فعل الإله بعلة

فإنهمو لم يفهموا حكمة له ** فصاروا على نوع من الجاهلية

فإن جميع الكون أوجب فعله ** مشيئة رب الخلق باري الخليقة

وذات إله الخلق واجبة بما ** لها من صفات واجبات قديمة

مشيئته مع علمه، ثم قدرة ** لوازم ذات الله قاضي القضية

وإبداعه ما شاء من مبدعاته ** بها حكمة فيه وأنواع رحمة

ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة ** من المنكري آياته المستقيمة

بل الحق أن الحكم لله وحده له ** الخلق والأمر الذي في الشريعة

هو الملك المحمود في كل حالة ** له الملك من غير انتقاص بشركة

فما شاء مولانا الإله، فإنه ** يكون وما لا لا يكون بحيلة

وقدرته لا نقص فيها، وحكمه ** يعم‏.‏ فلا تخصيص في ذي القضية

أريد بذا أن الحوادث كلها ** بقدرته كانت، ومحض المشيئة

ومالكنا في كل ما قد أراده ** له الحمد حمدا يعتلي كل مدحة

فإن له في الخلق رحمته سرت ** ومن حكم فوق العقول الحكيمة

أمورا يحار العقل فيها إذا رأى ** من الحكم العليا وكل عجيبة

فنؤمن أن الله عز بقدرة ** وخلق وإبرام لحكم المشيئة

فنثبت هذا كله لإلهنا ** ونثبت ما في ذاك من كل حكمة

وهذا مقام طالما عجز الأولى ** نفوه وكروا راجعين بحيرة

وتحقيق ما فيه بتبيين غوره ** وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة

هو المطلب الأقصى لوراد بحره ** وذا عسر في نظم هذي القصيدة

لحاجته إلى بيان محقق ** لأوصاف مولانا الإله الكريمة

وأسمائه الحسنى، وأحكام دينه ** وأفعاله في كل هذي الخليقة

وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ** وإلهامه للخلق أفضل نعمة

وقد قيل في هذا وخط كتابه ** بيان شفاء للنفوس السقيمة

فقولك‏:‏ لم قد شاء ‏؟‏ مثل سؤال من ** يقول‏:‏ فلم قد كان في الأزلية؛

وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ** وتحريمه قد جاء في كل شرعة‏.‏

وفي الكون تخصيص كثير يدل من ** له نوع عقل‏:‏ أنه بإرادة

وإصداره عن واحد بعد واحد ** أو القول بالتجويز رمية حيرة

ولا ريب في تعليق كل مسبب ** بما قبله من علة موجبية

بل الشأن في الأسباب، أسباب ما ترى ** وإصدارها عن الحكم محض المشيئة

وقولك‏:‏ لم شاء الإله ‏؟‏ هو الذي ** أزل عقول الخلق في قعر حفرة

فإن المجوس القائلين بخالق ** لنفع، ورب مبدع للمضرة

سؤالهم عن علة السر، أوقعت ** أوائلهم في شبهة الثنوية

وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى ** يقولون بالفعل القديم لعلة

بغوا علة للكون بعد انعدامه ** فلم يجدوا ذاكم، فضلوا بضلة

وإن مبادي الشر في كل أمة ** ذوي ملة ميمونة نبوية

بخوضهمو في ذاكم، صار شركهم ** وجاء دروس البينات بفترة

ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ** من العذر مردود لدى كل فطرة

فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ** عليك، وترميهم بكل مذمة

وتنحل من والاك صفو مودة ** وتبغض من ناواك من كل فرقة

ذوحالهم في كل قول وفعلة ** كحالك يا هذا بأرجح حجة

وهبك كففت اللوم عن كل كافر ** وكل غوي خارج عن محبة

فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ** على الناس في نفس، ومال، وحرمة

ولا تغضبن يوما على سافك دما ** ولا سارق مالا لصاحب فاقة

ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ** ولا ناكح فرجا على وجه غية

ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ** ولا مفسد في الأرض في كل وجهة

ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ** ولا قاذف للمحصنات بزنية

ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ** ولا حاكم للعالمين برشوة

وكف لسان اللوم عن كل مفسد ** ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة

وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ** على ربهم، من كل جاء بفرية

وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ** بروم فساد النوع، ثم الرياسة

وجادل عن الملعون، فرعون، إذ طغى ** فأغرق في اليم انتقاما بغضبة

وكل كفور مشرك بإلهه ** وآخر طاغ كافر بنبوة

كعاد، ونمروذ، وقوم لصالح ** وقوم لنوح، ثم أصحاب الأيكة

وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى ** من الأنبياء محييا للشريعة

على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ** ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة

وإلا فكل الخلق في كل لفظة ** ولحظة عين، أو تحرك شعرة

وبطشة كف، أو تخطي قديمة ** وكل حراك، بل وكل سكينة

همو تحت أقدار الإله وحكمه ** كما أنت فيما قد أتيت بحجة

وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ** فعال ردى، طردا لهذي المقيسة

فهل يمكن رفع الملام جميعه ** عن الناس طرا عند كل قبيحة ‏؟‏

وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ** وترك الورى الإنصاف بين الرعية

فلا تضمنن نفس ومال بمثله ** ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة

وهل في عقول الناس، أو في طباعهم ** قبول لقول النذل‏:‏ ما وجه حيلتي ‏؟‏

ويكفيك نقضا‏:‏ ما بجسم ابن آدم ** صبي، ومجنون، وكل بهيمة ‏:‏

من الألم المقضي في غير حيلة ** وفيما يشاء الله أكمل حكمة

إذا كان في هذا له حكمة، فما ** يظن بخلق الفعل، ثم العقوبة ‏؟‏

وكيف، ومن هذا عذاب مولد ** عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة ‏؟‏

كآكل سم، أوجب الموت أكله ** وكل بتقدير لرب البرية

فكفرك يا هذا؛ كسم أكلته ** وتعذيب نار‏.‏ مثل جرعة غصة

ألست ترى في هذه الدار من جنى ** يعاقب‏.‏ إما بالقضا‏.‏ أو بشرعة ‏؟‏

ولا عذر للجاني بتقدير خالق ** كذلك في الأخرى بلا مثنوية

وتقدير رب الخلق للذنب موجب ** لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة

وما كان من جنس المتاب لرفعه ** عواقب أفعال العباد الخبيثة

كخير به تمحى الذنوب‏.‏ ودعوة ** تجاب من الجاني‏.‏ ورب شفاعة

وقول حليف الشر‏:‏ إني مقدر ** علي‏.‏ كقول الذئب‏:‏ هذي طبيعتي

وتقديره للفعل يجلب نقمة ** كتقديره الأشياء طرا بعلة

فهل ينفعن عذر الملوم‏.‏ بأنه ** كذا طبعه‏.‏ أم هل يقال لعثرة ‏؟‏

أم الذم والتعذيب أوكد للذي طبيعته ** فعل الشرور الشنيعة ‏؟‏

فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ** ينجيك من نار الإله العظيمة

فدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا ** مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة

وذلل قياد النفس للحق، واسمعن ** ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة

وما بان من حق فلا تتركنه ** ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة

ودع دين ذا العادات، لا تتبعنه ** وعج عن سبيل الأمة الغضبية

ومن ضل عن حق فلا تقفونه ** وزن ما عليه الناس بالمعدلية

هنالك تبدو طالعات من الهدى ** تبشر من قد جاء بالحنيفية

بملة إبراهيم‏.‏ ذاك إمامنا ** ودين رسول الله خير البرية

فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ** به جاءت الرسل الكرام السجية

وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ** حوى كل خير في عموم الرسالة

وأخبر عن رب العباد بأن من ** غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة

فهذي دلالات العباد لحائر ** وأما هداه فهو فعل الربوبية

وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من ** غدا عنه، بل يجري بلا وجه حجة

وحجة محتج بتقدير ربه ** تزيد عذابا، كاحتجاج مريضة

وأما رضانا بالقضاء فإنما ** أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة

كسقم، وفقر، ثم ذل، وغربة ** وما كان من مؤذ، بدون جريمة

فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ** فلا ترتضى، مسخوطة لمشيئة

وقد قال قوم من أولي العلم‏:‏ لا رضا ** بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة

وقال فريق‏:‏ نرتضي بقضائه ** ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة

وقال فريق نرتضي بإضافة ** إليه‏.‏ وما فينا فنلقي بسخطة

كما أنها للرب خلق، وأنها ** لمخلوقه، ليست كفعل الغريزة

فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ** ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة

ومعصية العبد المكلف تركه ** لما أمر المولى، وإن بمشيئة

فإن إله الخلق حق مقاله ** بأن العباد في جحيم وجنة

كما أنهم في هذه الدار هكذا ** بل البهم في الآلام أيضا ونعمة

وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت ** من الفروق بعلم ثم أيد ورحمة

يسوق أولي التعذيب بالسبب الذي ** يقدره نحو العذاب بعزة

ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم ** بأعمال صدق، في رجاء وخشية

وأمر إله الخلق بين ما به ** يسوق أولي التنعيم نحو السعادة

فمن كان من أهل السعادة أثرت ** أوامره فيه بتيسير صنعة

ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ** بأمر ولا نهي بتقدير شقوة

ولا مخرج للعبد عما به قضي ** ولكنه مختار حسن وسوأة

فليس بمجبور عديم الإرادة ** ولكنه شاء بخلق الإرادة

ومن أعجب الأشياء‏:‏ خلق مشيئة ** بها صار مختار الهدى بالضلالة

فقولك‏:‏ هل اختار تركا لحكمة ‏؟‏ ** كقولك‏:‏ هل اختار ترك المشيئة ‏؟‏

وأختار أن لا اختار فعل ضلالة ** ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة

وذا ممكن، لكنه متوقف ** على ما يشاء الله من ذي المشيئة

فدونك فافهم ما به قد أجبت من ** معان إذا انحلت بفهم غريزة

أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ** ولله رب الخلق أكمل مدحة

وصلى إله الخلق جل جلاله ** على المصطفى المختار خير البرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الثامن.