ستر المرأة وجهها عن الرجال الأجانب

السؤال: قد علمتُ أن المرأة يجب عليها أن تحتجب عن الرجال الأجانب عنها، وأن لا تصافحهم، وفي هذه القرية التي أنا منها -وجميع القرى التي عندنا- المرأة تستر جميع جسمها ما عدا الوجه والكفين، وتصافح الرجال الأجانب عليها الذين من أهل قريتها، وأنا الآن محتار، ماذا أفعل، وأنا أريد الذهاب إلى بلدي التي هي هذه القرية، فما هو حكم الشرع، وما هي نصيحة فضيلتكم لي، وماذا أفعل إذا وصلت القرية؟
الإجابة: نصيحتي لك أن تُلزم زوجتك وأولادك وبناتك وكل مَن تحت يدك بامتثال الأوامر الشرعية، والتعليمات الإسلامية التي مشى عليها السلف الصالح والصدر الأول، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أَصْلَح أَوَّلَها، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (1)، وقال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (2) الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده، ومسئول عن رعيته، فكلكم راع، ومسئول عن رعيته" (متفق عليه) (3).

إذا عرفت هذا فاعلم أن كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب من دون مسوغ شرعي، مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة ولما جرى عليه عمل المؤمنات في صدر الإسلام.

▪ أما الكتاب؛ فيقول الله تعالى في سورة الأحزاب: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِّزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً}، قال ابن عباس في هذه الآية: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة (4). وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن هذه الآية، فرفع ملحفة كانت عليه، فتقنع بها، وغطى رأسه كله، حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر مما يلي العين (5)، وقال قتادة في الآية الكريمة: أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يتقنعن على الحواجب؛ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين (6).

وأما السنة؛ فقد روى البخاري في (صحيحه) (7) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم، فذكر الحديث. وفيه: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين"، ففي هذا الحديث دليل على أن النساء كن يستعملن النقاب والقفازين، لستر وجوههن وأيديهن؛ ولهذا نهيت عنهما المرأة المحرمة.

وأما عمل المسلمات في صدر الإسلام، فروى أبو داود (8) عن ثابت بن قيس بن شماس قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها أم خلاد، وهي منتقبة، تسأل عن ابنها، وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة!" فقالت: إن أُرْزَأ ابني، فلن أرزأ حيائي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابنك له أجر شهيدين"، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب"، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في (سننه) في باب ما جاء في القواعد من النساء، عن عاصم الأحول. قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الحجاب هكذا، وتنقبت به. فنقول لها: رحمك الله، قال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} (9)، هو الجلباب. فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}، فتقول: هو إثبات الجلباب (10)، بل جاء عن عائشة أم المؤمنين وأختها أسماء ما يدل على تحفظ النساء من الأجانب في حالة الإحرام، فضلا عن غيرها، فروى أبو داود في (سننه) (11) في (باب المحرمة تغطي وجهها)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.

وروى الحاكم في (مستدركه) (12) بسند على شرط الشيخين، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام.

ففي هذه النصوص وما في معناها دليل على أن النساء في صدر الإسلام كن لا يظهرن وجوههن للأجانب.

أما تفسير ابن عباس رضي الله عنهما الزينة الظاهرة في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (13) بالوجه والكفين. فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (الحجاب واللباس في الصلاة) بأن ابن عباس ذكر في هذا التفسير ما كان عليه الأمر قبل نزول قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لَّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ} (14) الآية. فلما نزلت نسخ ذلك، وحرم عليها إظهار ما سوى الثياب.

ونسوق لك عبارة شيخ الإسلام فيما يلي: قال (15): حقيقة الأمر أن الله تعالى جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة. وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم. وأما الباطنة، فلا تبديها إلا للزوج، وذوي المحارم.
وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجال وجوههن وأيديهن، وكان إذ ذاك يجوز لهن أن يظهرن الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليهما؛ لأنه يجوز لهن إظهارهما، فلما أنزل الله آية الحجاب في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ}، حجب النساء عن الرجال. قال شيخ الإسلام: والجلباب هو: الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء، وتسميه العامة: الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها.
وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه: النقاب، فكن النساء ينتقبن. وفي (الصحيح): "إن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين"، فإذا كن مأمورات بالجلباب؛ لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه، وستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا الثياب الظاهرة، فإن ابن مسعود في تفسيره الزينة الظاهرة بالثياب ذكَر آخر الأمرين، وابن عباس، أي: في تفسيره الزينة الظاهرة بالوجه والكفين، ذكر أول الأمرين.أ.هـ.

ومر شيخ الإسلام في هذا البحث إلى أن قال: ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب.

وأما حديث عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق؛ فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" (16)، فهذا الحديث أعله أبو داود في (سننه) (17)، وأبو حاتم بالإرسال (18)؛ لأن خالد بن دُرَيك رواه عن عائشة، ولم يدركها، وأعله ابن التركماني (19) في (الجوهر النقي) بعلة أخرى: هي أنه من رواية الوليد بن مسلم وهو مدلس، عن سعيد بن بشير، الذي قال فيه يحيى (20): ليس بشيء. وزاد ابن نمير: منكر الحديث.أ.هـ. وضعفه النسائي (21)، وقال ابن حبان (22): فاحش الخطأ.أ.هـ. فبهذا سقط الاستدلال بهذا الحديث، وبقيت الأدلة الأخرى سالمة من المعارض، ولله الحمد والمنة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

___________________________________________

1 - سورة الأحزاب: الآية (21).
2 - سورة التحريم: الآية (6).
3 - البخاري (893)، ومسلم (1829) وسبق تخريجه.
4 - (تفسير) ابن كثير (6/ 471)، (تفسير) الطبري (22/ 46).
5 - (تفسير) ابن كثير (6/ 471)، (تفسير) الطبري (22/ 46).
6 - (تفسير) الطبري (22/ 46).
7 - (تفسير) الطبري (22/ 46).
8 - أبو داود (2488)، والبيهقي (9/ 175).
9 - سورة النور: الآية (60).
10 - البيهقي (7/ 93).
11 - أحمد (6/30)، وأبو داود (1833).
12 - (المستدرك) (1/ 454).
13 - سورة النور: الآية (30).
14 - سورة الأحزاب: الآية (59).
15 - نقلا عن رسالة (حجاب المرأة ولباسها في الصلاة)، للشيخ ناصر الدين الألباني.
16 - أبو داود (4104).
17 - أبو داود عقب حديث (4104).
18 - (علل) ابن أبي حاتم (1/ 488).
19 - (الجوهر النقي) بهامش (السنن الكبرى) (7/ 86).
20 - (تاريخ يحيى بن معين): (2/ 196).
21 - (الضعفاء) للنسائي (ترجمة 267).
22 - (المجروحين) لابن حبان (1/315).